التكامل الإقليمي والتّحول وتجديد الأحلام الجماعية

يناقش الأمين العام في هذه النسخة أهمية التكامل الإقليمي من أجل تحقيق تعاون أوسع بين بلدان الجنوب، إلى جانب مركزية التحوّل – في مقابل مجرّد الإصلاح – في إطار إنشاء طريقة ثالثة للتنمية، وكذلك ضرورة التحرّر من “دكتاتورية التكنوقراطية” والتجديد المناسب للأحلام الجماعية في الخطاب الإنمائي.
مشاركة

المحاوِر: أود أن أسألك عن التكامل الإقليمي لِمدى أهميته المبيّنة في رؤيتك، كما أود أن أسألك عن رأيك في جهود التكامل الإقليمي المبذولة في المنطقة التي نشأتُ فيها، أي أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، على سبيل المثال

الأمين العام: للإجابة عن سؤالك، لابد من أن نبدأ بفكرة الجنوب العظيم التي سبق وتناولناها، ولذلك فلن أطيل الحديث عنها. فكما تعلم، يستند جزء كبير من تفكيري على مبدأ دمج وتعزيز وتوسيع نطاق التعاون بين بلدان الجنوب. وكما هو مشار إليه في الإعلان العالمي للتعليم المتوازن والشامل، يتكون الجنوب من شعوب ودول متنوعة في تاريخها وثقافاتها ولغاتها وظروفها، غير أنها تتشارك أيضا نفس التحديات والتطلعات الهيكلية، وهو ما يسهل تفعيل مشاريع التعاون فيما بينها – لتحقيق تطلعاتها المشتركة والتغلب على التحديات المشتركة. ولكن، ما علاقة ذلك بالتكامل الإقليمي؟ ولم يُعتبر التكامل الإقليمي ضروريا أيضا في تشكيل رؤية دول الجنوب؟ ولِم أرى أنّ التكامل الإقليمي إلى حد ما شرط أساسي لتحقيق التكامل الفعّال بين دول الجنوب؟ فسأجيبك أولا وقبل كل شيء بقولي أنّ الأساس المنطقي لتشكيل التكامل الإقليمي هو نفس الأساس المنطقي لتحقيق التعاون بين بلدان الجنوب، إذْ تتشارك المناطق العديد من الحقائق والتطلعات وحتى الثقافات واللغات بطريقة أكثر بروزا في الجنوب العظيم، مما يجعل التعاون والتكامل ضروريين أيضا على المستوى الإقليمي. بمعنى آخر، لابد من تعزيز نفس المنطق القائم على التعاون بين بلدان الجنوب على المستوى الإقليمي أيضا.

أما السبب الثاني الذي يدفعني للتركيز على فكرة التكامل الإقليمي يرتبط بالسبب الأول كذلك، إذّ أننا في منظمة التعاون الجنوبي نؤمن إيمانا قاطعا بأهمية تحقيق التنمية على المستوى المحلي والاعتماد على الذات، غير أنه يجب علينا إدراك حقيقة أنه لا يمكن لأي بلد الاعتماد على موارده المحلية بشكل كامل وفي جميع المجالات، وهو يدفع لتبني مبدأ الاعتماد المشترك على النفس الذي يعد أحد محاور المستعرضة لمنظمة التعاون الجنوبي. في الواقع، ليس من الضروري فحسب، بل أيضا من المحبّب، تجميع الموارد والجهود والخبرات معا لتحقيق هذا الهدف. وعليه، يعد التكامل الإقليمي ضروريا من نواح عدّة للنجاح في الاعتماد على الذات وتحقيق التنمية المحلية، سواء في مجالات القدرة البحثية أو التمويل أو اقتصاديات الحجم أو التطور التكنولوجي.

غير أن الحديث عن أهمية التكامل الإقليمي ليس منحصرا بالضرورة على الجانب الاقتصادي أو السياسي، بل يمكن أن يشمل الجانب الثقافي أيضا، سأقدم مثالا في هذا الشأن من لغتي الأم، إذْ لا توجد ترجمة موحدة للمصطلح الإنجليزي “transdisciplinarity” في الغة العربية، كما لا توجد قاعدة نحوية تمكننا من وضع مصطلح لهذا المفهوم في اللغة العربية، مما يعني أنه في حال أراد مترجم أو باحث أو مؤلف ترجمة مفهوم “transdisciplinarity”- الذي لا يعد أصيلا في الفكر العربي – فسيقدم ترجمته الخاصة والتي قد تكون مختلفة عن ترجمة غيره. وغالبا ما يُترجم المصطلح السابق الذكر على شكل جملة معناها “الحوار بين التخصصات وما يتجاوزها”، وهو ما يؤثر سلبا على جدوى المصادر المحررة باللغة العربية وعلى تبادل المعرفة. ففي حال راجع باحث فلسطيني مهتم بموضوع “عبر المناهجية” البحوث المتاحة في هذا المجال في العالم العربي، فمن الوارد ألا يجد – إلا بتوصية شخصية – مقالة نشرها باحث مغربي حول نفس الموضوع.

تمنع هذه المشكلة الباحث الفلسطيني من الاطلاع على مزيد من المعارف متعددة التخصصات، على الرغم من نشرها بنفس اللغة، كما تعيق أي بوادر تعاون محتملة لتحقيق نتائج مثمرة مستقبلا. وفي حين أن اللغة العربية هي واحدة من أثرى اللغات التي أعرفها، إلا أنها تحتاج في القرن الحادي والعشرين إلى مشاريع جديدة لتوحيد المصطلحات المتداولة ووضع مصطلحات جديدة لتسمية المفاهيم والحقائق الناشئة؛ غير أنه لا يمكن لأي دولة عربية، بمفردها، توحيد اللغة وإثراء مصطلحاتها إلّا من خلال التعاون والتكامل الإقليمي في المجال الثقافي واللغوي ولحل هذه المشكلة يمكن إنشاء معهد أو أكاديمية عربية حكومية دولية – شبيهة بالأكاديمية الفرنسية – يجتمع فيها كتابنا ومثقفونا ليس لحل مشكل توحيد المصطلحات المترجمة في جميع أقطار البلاد العربية فحسب، بل وأيضا للابتكار في اللغة العربية، وذلك من خلال صياغة مصطلحات مجدية ومناسبة ووضع هياكل وقواعد نحوية جديدة نابعة من المنطق الأصيل للغة العربية. هذا هو مثالي عن شكل التكامل الإقليمي الذي يتجاوز التكامل السياسي والاقتصادي.

المحاوِر: غير أن هذا النوع من التكامل يبقى سياسيا بطريقة ما، أليس كذلك؟

الأمين العام: من المؤكد أننا إذا نظرنا في أي مسألة وفي نتيجتها وتأثيرها المنطقيين، فسينتهي بنا المطاف إلى السياسة لا محالة، غير أن مفهوم السياسة في هذا السياق ليس منحصرا في عملية الحكم في بلد ما أو في العلاقات الخارجية المشكلّة بين الدول السيادية. وفي مجمل القول، هناك سببان يدفعانني للتحدث عن موضوع التكامل الإقليمي- الأول هو أن الأساس المنطقي للتعاون بين بلدان الجنوب، ولا سيما مشاركة التحديات والتطلعات التي تجعل هذا النوع من التعاون ضروريا ومستحبا، على المستوى الإقليمي؛ والثاني هو أن التنمية المحلية والاعتماد على الذات ليسا ممكنين دائما، ولا مرغوب فيهما، على المستوى الوطني بالكامل، مما يجعل التكامل الإقليمي ضروريا ومثريا.

بعد ذكر هذه المبادئ العامة أو الأسباب، اسمح لي أن أضيف أنه في حين أننا بحاجة بالتأكيد إلى بناء عمليات التكامل الإقليمية الخاصة بنا على أسس عادلة ومتينة، يجب علينا تفعيلها في الوقت المناسب، وبالاستناد إلى شروط الشعوب. ولتوضيح هذه الفكرة، دعني أوضح شروطي، قد يكون تعريف ديبراي هو الأفضل بالنسبة إلي في هذا الصدد: السكان هم مجموعة من الأفراد الذين يشغلون مساحة معينة؛ أما الشعوب فهم سكان يعيشون في أزمنة مختلفة ويتوارثون التاريخ والذاكرة. السكان، المساحة، الناس والوقت. وفي هذا الصدد، ولكي يتجاوز التكامل الإقليمي مفهوم التعاون، يجب أن يؤدي إلى تشكيل شعب، وهو ما يتطلب وقتا. وبناء على ذلك، يجب أن يُبنى التكامل على أساس متين ومستدام.

والآن، للإجابة على سؤالك حول وجهة نظري بشأن جهود التكامل الإقليمي القائمة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي دون ذكر أي مبادرة محددة، لابد من الإشادة ببعض مشاريع التعاون الناجحة، غير أن هناك بعضا من أوجه القصور الملاحظة في العديد من منصات التكامل هذه. ومن وجهة نظري، ترجع معظم أوجه القصور إلى حد كبير إلى تأسيس منصات تكامل على أساس التقارب الأيديولوجي فحسب. أنا لست بصدد الحكم على أي أيديولوجية بعينها، بل أحاول تشكيل حكمي بناء على وجود عناصر الاستدامة والاستقرار من عدمها في تحقيق هدف التكامل، فعند تغيير حكومة بلد معين مثلا واستبدالها بحكومة لا تتوافق مع أيديولوجية الحكومة السابقة، كما حدث بالفعل، فقد تسحب الحكومة الجديدة عضويتها من اتفاقية التكامل. بعبارة أخرى، تعجز اتفاقيات التكامل عن الحفاظ على استقراراها مع مرور الوقت، والوقت هو شرط مسبق للشعوب، غير أن أيا من اتفاقيات التكامل لم تنجح في احترام هذا الشرط. لذا، فإن لي تحفظات على هذه الجهود – ليس لأنني لا أؤمن بالأهداف المحددة، بل على العكس، غير أنني متخوف من عنصر استدامة النشاطات والأطر.

المحاوِر: إلا أن هذه المنصات والأدوات والمنظمات أسعدت آلاف بل ملايين من الناس.

الأمين العام: قد يكون الأمر كذلك بالتأكيد، ولكن ذلك لا يعد مثالا جيدا عن التكامل الإقليمي،. أما إذا كنت ترغب في الحديث عن مواضيع أخرى غير التكامل، كالتعاون والتضامن، فيمكنك ذكر هذا المثال. وفي الواقع، أعتقد بضرورة بذل جهود حثيثة لتحقيق التكامل الإقليمي المحلي في بلدان الجنوب العظيم، مع التركيز بشكل خاص على منطقة أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، جراء تخلفها عن تحقيق نتائج ملموسة في مجال التكامل بسبب عدم وجود منظمة حكومية دولية مشتركة بين دول المنطقة – ربما باستثناء بعض المناطق الفرعية في آسيا، نظرا لكبر حجم القارة. وقد تابعت مؤخرا المحادثات المتعلقة بإضفاء الطابع المؤسسي على منظمة مجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (CELAC) على سبيل المثال، وآمل صدقا أن تؤتي هذه الجهود ثمارها وتقوم على شروط تخدم مصالح الجميع. ولكن، وفي جميع الأحوال، أؤمن بأهمية تعزيز نشاطات التكامل الإقليمية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وأفريقيا والعالم العربي وآسيا، كما أود الإشارة إلى أن مشاريع التكامل تقوي بعضها البعض – بالعودة إلى أهمية التعاون بين بلدان الجنوب – من خلال التعلم من نجاحات بعضها البعض ومواطن فشلها، لتحقيق مسعى التكامل المأمول.

المحاوِر: يجب أن يكون هناك تكامل بين عمليات التكامل الإقليمية.

الأمين العام: بالضبط، إذا أردت قول ذلك. حسنا، أعتقد أن هذا هو كلّ ما عليّ قوله فيما يخص التكامل الإقليمي بمعناه العام.

المحاوِر: أود أن أسألك عن موضوع تحدثت عنه مرات عدة في خطاباتك ومقابلاتك، وهو أهمية المُثُل والقدرة الجماعية على الحلم والبناء، كونه يتماشى مع موضوع محادثتنا هذه المتعلقة بالتكامل الإقليمي باعتباره حلما نشدو إليه لتقوية أنفسنا.

الأمين العام: إن مسألة التجديد انطلاقا من المثل العليا هي بالفعل قضية أتحدث عنها مرارا وتكرارا في مداخلاتي ولقاءاتي. وكما تعلم، فإنني أؤمن وبشدة أننا بحاجة ماسة لتشكيل رؤية واضحة، لأنه وبدون رؤية ودون دراية بالوجهة التي نهدف إلى الوصول إليها بعد 20 عاما، لا يمكننا التخطيط للرحلة. ومع عدم وجود أي رؤية أو خطة، لا يمكن وضع إجراءات أو القيام بأي نشاطات، وسنقتصر على تقديم ردود فعل. وبالمثل، لا يمكن حشد الأفراد دون أحلام، وبدون هذا الحشد، لا يمكن تحقيق أي تحول. وعلاوة على الأهداف، نحتاج إلى وضع مثل عليا. ولكي نكون واضحين، بالطبع، نحتاج أيضا إلى وضع أهداف تكنوقراطية لدعم مثلنا، وإلا فسنقع في فخ التنظير، كما لا يمكننا أن نقتصر على التكنوقراطية لتحقيق هدفنا الأسمى.

ومع ذلك، ومنذ انتصار موجة الليبرالية الجديدة، تفوقت التكنوقراطية – التي تعد في الأساس أداة لدعم السياسات – على السياسة – التي تعمل على تنفيذ مشروع معين، وليس مجرد وضع تدابير مجتمعية، وجردت الخطابات السياسية والدولية من الأحلام، وأصبحنا نعيش في عالم بلا أحلام. ولتوضيح وجهة نظري، سأقدم أمثلة حية، ففي القرن العشرين مثلا، كانت أحلام الرأسماليين والاشتراكيين على اختلاف أيديولوجياتهم مجسدة في الخطابات السياسية: فخطاب جون ف. كينيدي في الولايات المتحدة، مثلا يعكس حلمه حول بلده والعالم – وحتى ولو اختلفت معه في ذلك، فقد كان قادرا على الأقل على مشاركة حلمه مع الآخرين. وفي الضفة الأخرى من التيار السياسي السائد في ذلك الحين، تحدث فيديل كاسترو في خطابه الموجه إلى الشعب الكوبي على حلمه الذي يراوده عن بلده وعن العالم – وحتى ولو لم تتفق معه هو أيضا، فعلى الأقل نجح في التعبير عن حلمه.

إن البشرية – بما فيهم أنا – بحاجة إلى سن المزيد من السياسات الصائبة، كما أننا بحاجة أيضا إلى شيء من الشاعرية ومن السمو، وإلى شيء أكبر من ذواتنا، شيء عابر للأجيال. وحتى لو أنني لن أعيش لأرى الحلم الذي أفنيت حياتي من أجله يتحقق، فذلك لا يردعني ويثبط من عزيمتي لأنني أعي الصراع العابر للأجيال الذي نعيشه.

وحتى لو أنني لن أعيش لأرى الحلم الذي أفنيت حياتي من أجله يتحقق، فذلك لا يردعني ويثبط من عزيمتي لأنني أعي الصراع العابر للأجيال الذي نعيشه. قال أوسكار وايلد شيئا مشابها في القرن التاسع عشر، وأنا بصدد إعادة صياغة ما قال: “إن الخريطة التي لا تظهر عليها المثالية لا تستحق النظر إليها في الأساس بسبب إقصائها لأهم بلد في العالم، البلد الذي يحتضن البشرية جمعاء، وعندما تجتمع البشرية هناك، ستنظر حولها، وسترى بلدا أفضل، لينهي مقولته، وهنا أقتبس، قائلا: “إن التقدم يعني تحقيق المثالية”.

بإيجاز، يجب أن نعمل على تجديد أحلامنا ومثلنا العليا لتحرير أنفسنا من الديكتاتورية التكنوقراطية التي تقيدنا، لأن ذلك هو السبيل الوحيد الذي يمكّننا من أن نصبح أشخاصا حقيقيين وأن نحقق المستقبل الذي نستحقه، غير أن تحرير أنفسنا من الديكتاتورية التكنوقراطية لا يعني القضاء على التكنولوجيا. إن التكنولوجيا ضرورية – فنحن بحاجة دائمة إلى تقنيين وخبراء وإلى تدابير عملية، إلا أننا بحاجة إلى أكثر من ذلك بكثير. يجب تشكيل رؤية واضحة قبل البدء في تطبيق برامج العمل. الشاعرية أولا والسياسات ثانيا.

المحاوِر: قلت في إجابتك “أنه بدون أحلام، لا يمكن حشد الأفراد، وبدون هذا الحشد، لا يمكن تحقيق أي تحول”، هل يمكن التعمق في هذه الفكرة؟

الأمين العام : ربّما علينا البدء بتعريف مصطلحاتنا، أو بتحديد الفرق الذي أتبيّنه بين الإصلاح والتحوّل: الإصلاح هو مجرّد تحوير سطحي؛ أما التحوّل فهو تغيير الديناميكيات، إذْ أننا لسنا مهتمين بالإصلاح، لأنّنا نعلم أنّ النظام في حد ذاته يضمّ ديناميكيات تعيد إنتاج أوجه عدم المساواة وأشكال الظلم الناجم عن تبعيتنا ومختلف المصاعب. وبالتالي، فإنّ ما نطمح إليه هو تغيير الديناميكيات الأساسية، وذلك هو التحوّل.

ولتوضيح وجهة نظري، يجدر القول أنّه كثيرا ما قيل لنا أنّ النظام الرأسمالي هو السبب الجذري لتغيّر المناخ. وبالتأكيد، تحمل هذه العبارة جزءا من الحقيقة، فنماذجنا الإنمائية، التي تنشأ عموما من نموذج رأسمالي، هي حتما تلحق ضررا بالبيئة، ولكن تجدر الإشارة أيضا إلى أنّه في القرن العشرين، ألحقت الاشتراكية نفس حجم الضرر بالبيئة. ولأنّ النموذج كان إنتاجويا في جانبي الطرف السياسي: حيث كانت الرأسمالية تتمثّل في إنتاج أكبر لتحصيل ثروة أكبر؛ والاشتراكية تتعلّق بإنتاج أكبر لتوزيع ثروة أكبر. في كلا الحالتين، يوجد مفهوم إنتاجي للتنمية – السعي المستمر لتوليد مزيد من الإنتاج، مزيد من النمو – لأسباب متعددة، عبر وسائل مختلفة، ولكن بنزعة إنتاجوية؛ فالسبب الجذري للكارثة المناخية التي نتجه صوبها، لا يتمثل في الرأسمالية في حد ذاتها، بل في الإنتاجوية.

وغني عن القول أنه يمكن تقديم حجة مشروعة حول استحالة وجود رأسمالية دون إنتاجوية، لكن وجهة نظري لا زالت قائمة: في حال الانتقال إلى نموذج اشتراكي إنتاجوي، فحينها سوف يتم تسريع التغيّر المناخي. وفيما يتعلّق بالنماذج التنموية، فإذا كنا نطمح إلى تفادي حصول كارثة مناخية، فيجب تغيير الديناميكيات الأساسية للإنتاجوية – وهو ما يمثّل التحوّل، وليس فقط اعتماد تحوير سطحي، ما قد يتجسّد مثلا في زيادة الإنفاق العام على إعادة التشجير، بينما تواصل الديناميكية الإنتاجوية دعم صناعات الوقود الأحفوري. باختصار، أنا لا أقول أنّ التحوّل في هذا المثال سيكون ضد الإنتاج والنمو – فسيكون من غير المنطقي، وبوسعي أن أقول كذلك، من الخطير التصديق بمثل هذا الأمر –، ولكن في سياق التغيّر المناخي، سوف يقترن التحوّل بالإنتاج و”الاتزان السعيد”، كما قال بيار رابحي، وسوف تمزج بين النمو في بعض المناطق وتراجع النمو في مناطق أخرى، وسوف يتحقق التوازن بين الازدهار المادي وسلامة العالم البيئي. واسمح لي أن أورد مثالا بسيطا، لغاية التوضيح: تظلّ بلداننا، إلى حد كبير، مصدرا صافيا للمواد الأولية، أو في أفضل الأحوال للمواد الوسيطة. واسمح لي أن أورد مثالا بسيطا، لغاية التوضيح: تظلّ بلداننا، إلى حد كبير، مصدرا صافيا للمواد الأولية، أو في أفضل الأحوال للمواد الوسيطة. ويمكن أن يتحقق الإصلاح في تدابير للإنتاج، أو لاستخراج، مزيد من المواد الأولية للمصدرين، وما يشمل ذلك من توريد واستخدام للتكنولوجيا لتحقيق المزيد من الإنتاج الفعّال: أمّا التحوّل فيتمثّل في إنشاء نظام إيكولوجي وسلسلة إمداد لضمان تصدير المواد المصنّعة بقيمة مضافة داخل البلاد عبر تطوير التكنولوجيا المحلية.

وبعد بيان الفرق بين الإصلاح والتحوّل، والأسباب التي تدفعنا لنطمح لتحقيق الأخير، ربّما يمكنني الآن تناول الجزء المتعلّق بالحشد، وإن كان ذلك سيكون بإيجاز لأنّه غني عن التعريف بالنسبة إلي. وبما أنّ التحوّل هو التغيير الجوهري للديناميكيات، وهو ما ينطوي على إجراء مراجعة شاملة للنظام، فلا يمكن إقراره بمرسوم مثل الإصلاح. بإمكانك إصدار مرسوم يمنع تصدير المواد الأولية. ولا يمكنك تقنين التصنيع ذي القيمة المضافة العالية. وبعبارة أخرى، يتطلّب التحول عملا جماعيا. وبين قوسين، ومن أجل التوضيح، عندما أقول عملا جماعيا، لا أعني “العديد من الناس الذين يقومون بنفس العمل، في نفس الوقت”، بل يخوضون غمار صراع بمسارات متعددة وبهدف واضح. وبعبارة أخرى، لا بد من حشد القطاعات والأشخاص من أجل تحقيق التصنيع ذي القيمة المضافة العالية.

وللبقاء في نفس المثال والتعمق فيه وتوضيح طبيعة الحشد على نطاقين، واسع وجزئي، يمكننا الإشارة إلى البلدان المنتجة للقهوة التي تصدّر أغلبها الحبوب الخضراء، وهو وضع أغلبية البلدان المنتجة للقهوة. ولكن دعونا نفترض أنّ نفس هذا البلد يسجّل استهلاكا محدودا للقهوة محليا، وهو الحال في بعض من بلداننا. فالتحوّل نحو تصدير القهوة المجهّزة، سواء كانت في كبسولات أو في أشكال أخرى، عوضا عن الحبوب الخضراء سيستدعي إجراء حشد فيما يلي، على سبيل الذكر لا الحصر: الوزارة المسؤولة عن الاقتصاد والصناعة والتي تسن السياسات الخاصة بتشجيع عمليات تجهيز القهوة بدلا من تشجيع عمليات تصدير الحبوب الخضراء: المصدّرين الحاليين لحبوب القهوة الخضراء من أجل تغيير نموذج عملهم تدريجيا نحو إضافة القيمة والاستهلاك المحلي؛ القطاع الخاص الذي يستثمر في تجهيز القهوة والتعبئة والتغليف؛ المصارف لتمويل هذا الإنتاج؛ التعليم التقني والمهني وقطاع التدريب لتقديم دورات تحميص وخلط القهوة: المستهلكين داخليا لاستهلاك مزيد من القهوة دعما للإنتاج المحلّي؛ المستهلكين في الخارج، لتوعيتهم بشأن أهمية اشتراء القهوة المجهّزة في بلدان الأصل، وهو ما يمكن أن يدرّ مزيدا من الدخل لفائدة المنتجين، بدلا من اشتراء القهوة المجهّزة في أوروبا، حتّى لو كان في إطار التجارة العادلة، وما إلى ذلك.

ومن جهة أخرى، في حال إصلاح قطاع القهوة من خلال إزالة القيود المفروضة على واردات التكنولوجيا لزيادة محصول الحبوب الخضراء من أجل التصدير، أو لتيسير التصدير المباشر دون وسطاء، فذلك لا يتطلّب إلاّ تدخل عدد محدود من الجهات الفاعلة لسن السياسات المناسبة. وباختصار، يتطلب التحوّل، بطرق مختلفة، مشاركة عدد من الجهات الفاعلة التي لا تنتمي بالضرورة إلى الجهات المختصة ذات العلاقة المباشرة والمعنية بالسياسات الجديدة. هذا هو سبب قولي أنّه من دون حشد، لا يمكن أن يكون هنالك تحوّل.

وأخيرا، للتطرق إلى جانب الأحلام في هذه الصيغة، إن جاز التعبير، سوف أتولّى ذلك على نحو موجز لأنّني أعتقد أنّه قد سبق لي تقديم شرح حوله في حوارنا، وسوف أركّز على علاقتها بالحشد والتحوّل. إنّ خوض غمار صراع باستراتيجية منسقة وبمسارات متعددة وبهدف واضح لا يمكن اعتباره عملا جماعيا إلاّ في حال اتّحدت عناصره أو على الأقل شعرت بترابط فيما بينها، بعيدا عن المعاملات قصيرة الأجل القائمة على المصالح، بشيء ما، كما قلت سابقا، أكبر من أي عمل قام به أي عنصر منهم بصفة فردية، وعبر شيء يتجاوزهم. وهذا هو السبب الوحيد الذي يدفع أي شخص للحشد بطريقة مستمرّة: والمساهمة في تحقيق تطلّعات أكبر.

وللعودة إلى مثال القهوة: أن يتم بيع منتج ما بأسعار معقولة لا يكفي لأن يبدأ السكّان في استهلاكه؛ ولا يكفي رفع القيود المفروضة على الاستيراد والمزايا الضريبية لكي يتحمّل نشاط تجاري مخاطر الاستثمار في صناعة لا وجود لها لتجهيز القهوة وتعبئتها؛ ولا يكفي توفّر دورات التعليم والتدريب الفني والمهني في خلط القهوة وتحميصها في جذب العدد اللازم من الشباب لاتباع هذا المسار الوظيفي؛ ويمكنني أن أسترسل أكثر. إنّ الوعي بالمساهمة بتنوير البلد، بتحقيق النمو المشترك بين جميع أطفال البلد، لتحقيق تنمية حقيقية، هي مصدر للحشد. إنّ المثال غير كامل، لأنّ الحلم يحتاج لأن يكون أوسع نطاقا بكثير من قطاع واحد، لكنّي أعتقد أنني قد عبرت عن وجهة نظري. وبعبارة أخرى، إن الحلم المشترك الذي يؤمن المرء فيه بمستقبل أفضل، أكثر عدلا وفخرا، لنفسه، لعائلته، لأصدقائه، لبلده، يدعو إلى الحشد ويشجّع عليه، وتلك هي الإجراءات الملموسة لتحقيق هذه الرؤية. ولهذا السبب ذكرت أنّه دون أحلام، لن يكون هنالك حشد، و – كما أوضحت سابقا – دون حشد، لن يكون هنالك تحوّل.

سوف أضيف نقطة أخرى لكل ما قلته للتوّ، لأنّ الجملة القائلة “دون أحلام، لن يكون هنالك حشد، ودون حشد، لن يكون هنالك تحوّل” تجعل العملية تبدو أنّها أفقية، في حال أنّها في الواقع دائرية. أي أنّه، من الصحيح أيضا أنّه دون تحوّل، لا يمكن أن يكون هنالك أحلام، ودون أحلام، لن يكون هنالك حشد، ودون حشد، لن يكون هنالك تحوّل، وما إلى ذلك. وأنا أدرك أنّ هذا قد يبدو معقّدا أو محيّرا، لكن ما أقصده هو أنّه لكي يكون الحلم حلماً، يجب أن يكون تحويليا. وعلى وجه التحديد لأنّ الإصلاح لا يعدو عن كونه مجرّد تحوير تجميلي للواقع، الإصلاح يكتفي بالحاضر، باليوم، ولا يبني إلاّ انطلاقا منه، فلا يحدث إلاّ التغيير القليل والتكيّف البسيط. أمّا التحوّل فلا يكتفي بالحاضر، باليوم، بل يتطلع إلى المستقبل، بالقادم، الذي كان الأمس يتطلّع إليه. لا أحد يخلد إلى فراشه وهو يحلم بموازنة الميزانية الحكومية – يمكن أن يعتقد أنّ ذلك ضروري، وأنّه يريد أن يتحقق ذلك، لكنه ليس ما يحلم به وهو في كنف من الحميمية داخل منزله. فالإصلاح عاجز عن بناء الأحلام، وحده التحوّل قادر على ذلك.

المحاوِر: أنها لأفكار عضيمة، غير أنني أودّ الآن العودة والإشارة إلى التباين الذي تحدده بشكل منهجي بين الإحسان والتضامن. هل بإمكانك توضيح ذلك أكثر، وفي حال كان لذلك أي علاقة بما كنا بصدد الحديث عنه؟
الأمين العام : حسنا، كما قلت مرارا وتكرارا في السابق، التضامن هو فعل أفقي يمارس فيما بين المتساويين، بينما الإحسان هو فعل عمودي، يقوم به الأقوياء لفائدة الضعفاء. وبالإضافة إلى ذلك، يتضمن الإحسان عدّة إشكاليات أخرى. أوّلها، لأنّه بسبب العلاقة العمودية، هو تقريبا غير إنساني، أو على الأقل هو مثير لعدم الارتياح بالنسبة إلى الشخص المجبر على تلقيه– على الرغم من النوايا الحسنة التي يحملها. لأنّه لا يجب على أي أحد، ولا يريد أي أحد الاعتماد على الشفقة، على مشاعر كرم الآخرين. ثانيا، الإحسان هو عبارة عن تخدير مؤقت للتخفيف من حدة الشر. والحل الذي يطرحه الإنسان لمشكلة الفقر هو: “سأعمل جاهدا على ألاّ يتضوّر الفقراء جوعا” – لا غير، و لا أكثر. ليس أن يعيشوا، ليس أن يتحرّروا، ليس أن يساهموا في بيئة تزخم بفرص لهم لكسب العيش. لا، لا يتمثل الحل الذي يقترحه الإحسان للفقر في ضمان أن يعيش الفقراء، بل في أن يبقوا على قيد الحياة. أما التضامن، من جهة أخرى، فيما لا يزال يلبّي الاحتياجات المباشرة للفقراء، فهو يدرج الإجراءات الحالية في قائمة الأهداف طويلة المدى والتي هي، على أقل تقدير، تتمثل في القضاء على الفقر، إن لم يكن في بناء الرخاء المشترك. وبالتالي، عندما أقول أنّ التضامن، كبديل للإحسان، هو عمل أفقي، بين المتساويين، أعني وجود شخص مستعدّ للتضحية بجزء من راحته الخاصة في سبيل غيره، لأنّ سلامتك من سلامتي أيضا. لأنّنا مجتمع، جماعة ومجموعة. الإحسان هو منح البقايا من الطعام؛ أمّا التضامن فهو مشاركة الوجبة. الإحسان هو متعلّق بك، بمن هو في حاجة، وأنا، هو الذي يعطي؛ أما التضامن فهو متعلّق بنا، أي المجموعة التي يدعم أفرادها بعضهم البعض. الإحسان هو الكرم؛ أما التضامن فهو العدل.
المحاوِر: وفي ضوء حديثنا، سأعتبر أنّ التضامن هو مرتبط ارتباطا أساسيا بالتكامل الإقليمي.
الأمين العام : هو كذلك، لكن التضامن في الواقع مرتبط بكل ما نقوم به. لا يوجد أيّ جزء مما نقوم به في منظمة التعاون الجنوبي ليس متشبّعا بالتضامن. لأنّ التضامن لا يعني إسداء معروف لك. والسياسة العامّة للحد من الفقر والقضاء عليه لا تتعلّق بإسداء معروف. فبمساعدتك، فإننا نساعد المجتمع ككل. لأنّه في النهاية، سوف نعيش كلّنا حياة أفضل، لأنّك أنت أيضا، ستعيش حياة أفضل.
ويقودني هذا، بصفة غير مباشرة، إلى الحوار الأساسي للفرد في مقابل المجموعة، وهو ما يرد كثيرا في الإعلان العالمي للتعليم المتوازن والشامل. فالإعلان يشير بصفة متكررة إلى المجموعة، لكنه يشير أيضا إلى الفرد – ولا يتخذ موقفا مناويا. ففي الماضي، شهدنا مجتمعات كانت فيها المجموعة ذات سيادة، ولكنها كانت ذات سيادة لدرجة خانقة. أمّا اليوم، باستثناءات تثبت القاعدة، نحن مجتمعات فردية يحظى فيها الفرد بالسيادة، ولكن بدرجة من السيادة تتشتت فيها المجموعة. فاليوم، ما نهدف للقيام به انطلاقا من الجنوب، بطريقة ثالثة من التنمية، هو يتمثل بالتحديد في وضع نهج تآزرية بين سيادة الفرد وسيادة المجموعة. لا نريد المجموعة التي تخنق الفرد، ولا الفرد الذي يشتت المجموعة. ويذكر الإعلان، في مرحلة ما أنّ الفرد يتمتع بحق الوجود والانتماء، في أن يكون وأن يختلف عن غيره. ذلك هو شكل المجتمع الذي أطمح إليه. وفي أوقات مختلفة، وبطرق مختلفة، يجب على الفرد أن يضحّي من أجل المجموعة، وعلى المجموعة أن تضحّي من أجل الفرد. هذه هي بعض من المبادئ العامة التي أرى العالم من خلالها وكما تنطبق على الأسرة تنطبق على البلاد، وعلى التكامل الإقليمي، والجنوب، والإنسانية. .

قريبا

Très Prochainement

Pronto