لماذا الجنوب الكبير؟

يناقش الأمين العام في هذا الحوار فكرة الجنوب الكبير ويتعمّق في مصدر المصطلح ودواعي اعتماده ودوره في توضيح الحاجة إلى تبنّي شكل جديد من أشكال التعددية القائمة على مبادئ المساواة والإنصاف والتضامن، فضلا عن التعاون المتبادل لمواجهة تحديات التنمية والتهديدات العالمية التي يشهدها عصرنا، موضحا أنّ خطوة اعتماد مصطلح “الجنوب الكبير” تساهم في التّحرر من القيود الجغرافية الزائفة والتعسفية، والاعتراف بحقيقة الاندماج بين دول الجنوب والشمال.
مشاركة

المحاور: لماذا الجنوب الكبير؟

الأمين العام: أعتقد أنه يجب علينا أولا أن نسأل: “لماذا الجنوب؟” قبل التطرق إلى معنى والأساس المنطقي لمصطلح “الجنوب الكبير”؛ فالخطابات الدولية الداعية للتنمية كانت موجهة وعلى مر السنين لبلدان كانت تُسمى في الماضي بدول “العالم الثالث”، لتسمى بعد ذلك بدول “في طور النمو” أو “نامية”. أما في الوقت الراهن، وبفضل جهود عدة هيئات متعددة الأطراف، أصبحت تسمى هذه الدول ببلدان الجنوب أو الجنوب العالمي.

المحاور: هل ينطوي مصطلح “الجنوب العالمي” على فئة الهيئات متعددة الأطراف؟

الأمين العام: نعم، ولا، فربما لم يكن ذلك واردا في بداية تشكله، غير أن بعض الهيئات متعددة الأطراف بدأت في اعتماد المصطلح في معناه العام علاوة على مفاهيم أكثر دقة، كمصطلح الدخل المنخفض والدخل المتوسط، وما إلى ذلك. وبشكل عام، قد يرى البعض أن الهيئات متعددة الأطراف اشتهرت باستخدام مصطلح “الجنوب العالمي” أكثر من غيرها. وعلى مر التاريخ، دائما ما كانت الخطابات الدولية الداعية للتنمية موجهة إلى تلك البلدان، وليست مشكلة من طرفها أو نابعة منها. لذا، أعتقد أنه من الواجب العودة إلى الوراء قليلا والحديث عن هذه البلدان من منظورها هي.

بالعودة إلى التاريخ والحديث من منظور هذه البلدان التي تشكل غالبية دول العالم، وجدت الدول المستقلة من الاستعمار والمشكّلة في فترات زمنية مختلفة – معظمها في القرن العشرين، وبعضها قبل ذلك كما هو الحال في دول أمريكا اللاتينية المستعمرة- نفسها ضمن نظام عالمي ثنائي القطب. وبخروجها من الحقبة الاستعمارية، أدركت دول الجنوب الحاجة إلى تشكيل مساحة خاصة بها إثر انعقاد فعاليات مؤتمر باندونغ عام 1955 وما تبعه من تأسيس حركة عدم الانحياز عام 1961. أعتقد أنه من غير المنصف الحديث عن حيثيات إنشاء هذه الحركة في سياقها التاريخي الضيق المتعلق بالنظام العالمي ثنائي القطب القائم آنذاك، كما أن اسم الحركة نفسه يعطى انطباعا مضللا أن هدفها الوحيد كان تأكيد موقفها الحيادي حيال الولايات المتحدة الأمريكية وكلا من التكتل الرأسمالي والاشتراكي، وكذا الاتحاد السوفيتي.

ومع ذلك، فقد كان واضحا ومنذ الأيام الأولى من تشكيل الحركة، أن معظم البلدان المنتمية لها كانت إما منحازة إلى الاتحاد السوفيتي أو إلى الولايات المتحدة الأمريكية وما تمثله الكتلتين من إيديولوجيات مجسدة في الرأسمالية أو أقرب إلى الاشتراكية. لذا، فإن القراءة الخاطئة للتاريخ والحركة يؤدي إلى اعتقاد أن الحركة، بسبب اسمها، كانت ترمي إلى تحقيق هدف واحد مفاده تأكيد موقفها الحيادي. ورأيي في ذلك هو الآتي: عند قراءتك للبيانات المشتركة الصادرة عن قمم حركة عدم الانحياز في ذلك الحين، تدرك أن الدول الأعضاء، بعد خروجها من الحقبة الاستعمارية في سياق التنافس الحاصل بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، أدركت أن النظام العالمي ثنائي القطب لم يكن ليستجيب لمصالحها التنموية.

وبما أن النظام العالمي المفروض من طرف القوتان المهيمنتان فشل في الاستجابة للمصالح التنموية لدول الجنوب، شرعت هذه الأخيرة في السعي لإنشاء نظام عالمي ثالث يستجيب لتطلعاتها، أو على الأقل كانت تلك هي نيتها، وأما فيما يتعلق بإنجازات الحركة الخاصة بعدم الانحياز، فلم تحقق الكثير، ويرجع سبب ذلك جزئيا إلى كونها حركة لا تملك فريق أمانة دائم ودون وجود هيئات تسعى يوميا لتنفيذ فحوى إعلاناتها. وبذلك أخذت الحركة شكل مؤتمر تجتمع فيه البلدان كل ثلاث سنوات للتعبير عن مواقفها – التي كانت مهمة ولكنها لم ترق إلى مستوى التطلعات.

ما يثير الاهتمام حقيقة، بخلاف تقييم المخرجات، هو أن حركة عدم الانحياز استمرت في النشاط حتى بعد حلّ العالم ثنائي القطب، وهو ما يؤكد، إلى حد ما، فكرتي السابقة – أي أن جهود الحركة لم تقتصر أبدا على تأكيد عدم الانحياز لأي من التكتلات المهيمنة آنذاك. وعلى الرغم من أنني لست متأكدا من مدى مواصلة حركة عدم الانحياز السعي لتحقيق هدف عدم الانحياز اليوم، إلا أن إنشاء نظام عالمي ذو معالم مختلفة لا يزال يمثل طموح الحركة الدفين، وهو ما يفسر ديمومته. قد تتساءل عن سبب تشكّل فكرة الجنوب من هذه النقطة؟ لأن النظام العالمي الراهن والخطاب الإنمائي الدولي، ولا بد من القول – السوقالتي ظهرت جرّاء هذا الغرض التنموي، حتى تلك القائمة على نوايا حسنة – كما هو الحال في العديد من المنظمات غير الحكومية – فشلت هي الأخرى في خدمة المصالحة التنموية لدول الجنوب.

إن الحاجة الملحة إلى وضع بدائل حقيقية هو ما يجمعنا على الرغم من اختلاف بلداننا. وقبل الإجابة على سؤالك الذي طرحته سابقا “لماذا الجنوب؟” لابد من شرح أهمية التركيز على التعاون بين بلدان الجنوب – إذ أننا لم نبدأ بعد في الحديث عن مفهوم “الجنوب الكبير”، كما سأعرّج في الجزء الثاني من هذه الإجابة على فكرة بناء العلاقات بين دول الشمال والجنوب، لأنني لم أقل أبدا أن التعاون بين الشمال والجنوب ليس ضروريا أو غير مرغوب فيه، بل وليس من المنطقي قول ذلك والإيمان به. وفي هذا الصدد، أود أن أشير إلى نقطتين فرعيتين: أولا، علينا أن نحدد طبيعة التعاون بين الشمال والجنوب وأغراضه.

المحاور: بالطبع، ماهي الشروط التي تحكم هذا النوع من التعاون؟

الأمين العام: بالتأكيد، هناك شروط، أولها أنْ يكون هناك تعاون حقيقي بوجود طرفين متساويين من حيث الوضع والعلاقات القائمة على روح التضامن الممارسة أفقيا، بدلا من الإعانات الممارسة عموديا. ومع ذلك، وكما هو الحال اليوم، فإن أي شخص من الجنوب – سواء كان عاملا في القطاع الحكومي أم لا – يعلم أن الوضع ليس كذلك وأنّ العلاقات التي تجمع دول الجنوب والشمال غير متساوية بشكل أساسي، وغالبا ما تكون غير عادلة ومقتصرة على تقديم الإعانات، حتى تلك العلاقات المشكلة من طرف منظمات المجتمع المدني حسنة النية. وعليه، فالسؤال المطروح هو، كيف يمكننا مواجهة هذا المشكل؟ من وجهة نظري، إن تحقيق تعاون حقيقي وجدّي – ما يشار إليه في الإعلان العالمي للتعليم المتوازن والشامل بـ”شراكات ذات منفعة متبادلة” – مرهون بتكاتف جهود دول الجنوب لإعادة تحقيق التوازن في العلاقة المتباينة بين الشمال والجنوب.

أما النقطة الفرعية الثانية التي أود الحديث عنها فتتمحور حول فكرة أن تحقيق تعاون فعال وناجح بين دول الشمال والجنوب يستجيب لمصالحنا الإنمائية – ليس فقط لتجنب إعادة إنتاج ديناميكية غير عادلة من التبعية الأبدية – علينا أن نضع شرطا مسبقا فحواه التعاون على نطاق أوسع وأكثر استدامة وعمقا بين بلدان الجنوب لأننا نتشارك نفس الحقائق والتطلعات والتحديات في الجنوب التي لا نجدها في دول الشمال، علاوة على المعارف والخبرات التي نتشاركها بشأن تلك القضايا غير السائدة في الشمال، حتى عندما يسعى البعض إلى إعطائنا دروسا في هذه المسائل التي نحن أدرى فيها منهم، مثلا، لنأخذ قضية التنوع على سبيل المثال والحاجة إلى احترام التنوع. وفي هذه الحالة، كان الجنوب، ولا يزال، أكثر تنوعا، حتى على المستوى المحلي من بلدان الشمال، وهو ما يمكّننا من امتلاك معارف أصيلة ومتنوعة يعود تاريخها إلى آلاف السنين.

ولكن من الناحية التقنية وبواقعية أكثر، يمكن الحديث عن النظام التعليمي، إذْ نعلم جميعا – وبغض النظر لوهلة عن الالتزام بالإعلان العالمي للتعليم المتوازن والشامل وبالإعلانات الأخرى السابقة، لأننا لم نكن أول من يدرك ذلك – أنّ أفضل شكل من أشكال الإدماج الأساسية – هي جوهرية لأن هناك أبعادا أخرى، والتي ندعو إليها أيضا – التركيز على تعليم اللغة الأم. وعلى غرار الدراسات العديدة التي أكدت على أهمية ذلك، فإن هذه العملية حقا مجدية على أرض الواقع، إذ يواجه العديد من الطلاب تحديا مزدوجا يتمثل في بذل مجهود في تعلم المحتوى الدراسي وكذلك في تعلم اللغة التي يدرسون بها، مما يؤدي بهم إلى تراجع مستواهم الدراسي.

قد يشعر بعض الطلاب الحاصلين على هذا النوع من الدرجات كذلك بالتهميش ويُجبرون على الانعزال، وقد يسوء الأمر إلى حد شعورهم بعقدة النقص وأنّهم لا يملكون القدرات الكافية للنجاح في مسيرتهم الدراسية، أو أنهم مجبرون على تكرار السنوات الدراسية إلى أن يكتشف آباؤهم أنهم غير مؤهلين لمواصلة دراساتهم الأكاديمية؛ وحتى بالنسبة إلى أولئك الذين يتمكنون من مواصلة مسيرتهم الدراسية، فقد يحصلون – بطبيعة الحال – على درجات أقل من زملائهم في الصف الذين يتعلمون فيه بلغتهم الأم، مما يؤدي إلى تفاقم أو إعادة إنتاج مشاكل عدم المساواة السائدة بالفعل في قطاع التعليم العالي وفي سوق العمل.

نحن نعلم هذه الحقيقة بالفعل وندرك بشكل جماعي ضرورة معالجة مشكل إعادة إنتاج عدم المساواة من خلال تعليم اللغة الأم – علاوة على ترسيخ المبادئ لأغراض عملية. تحظى هذه مسألة بأهمية خاصة في جميع أنحاء الجنوب العالمي: في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وأفريقيا وآسيا. ولكن لماذا؟ في الفلبين مثلا، يتم التحدث بأكثر من 120 لغة، أما في نيجيريا فقد يصل عدد اللغات المستخدمة في البلاد إلى 630 لغة محلية، كما يعترف الدستور البوليفي رسميا بـ 37 لغة. وفي الوقت نفسه، يشكل هذا التنوع الجميل للغاية تحديا كبيرا للنظام التعليمي – والنظام المركزي بشكل عام، ولكن حتى في حال وجود نظام لامركزي – وذلك بسبب التعقيد التقني الذي لا يقتصر على توفير تعليم جيد وشمولي في جميع هذه اللغات، بل الهادف للحفاظ على اللغة والثقافة الوطنية كوسيلة لتحقيق الوحدة.

وفي نهاية المطاف، وعلى الرغم من التزامنا الراسخ بضرورة الحفاظ على التنوع الثقافي واحترامه، فإننا لا نرغب في خلق أي نوع من الفتنة الثقافية أو الانعزال؛ كما يجب في هذه الصدد التطرق إلى مسألة الموارد، فبالإضافة إلى التعقيد التقني – أي كيف يمكن نشر المحتوى التربوي والمواد التعليمية والكتب الدراسية بجميع هذه اللغات؟ كيف يمكن تدريب المعلمين بجميع هذه اللغات؟ وكيف يمكن القيام بذلك بجودة رفيعة في جميع اللغات الوطنية لأن خيار الترجمات الآلية ليس الأفضل بطبيعة الحال؟ وفي هذا الصدد أيضا، لابد من الإشارة إلى أن الخطاب الدولي بشأن التعليم يركز حصرا على الدول الأوروبية والشمال العالمي، مما يفرض علينا اتباع النماذج المعتمدة في دول الشمال قصرا.

هذا لا يعني أنه ليس لدينا الكثير لنتعلمه من تجربة التعليم الاسكندنافية أو النرويجية مثلا ولكن يجب أن ندرك حقيقة أن لدول الجنوب خصائص يجب احترامها بعيدا عن قضية التمويل. إن واقع التنوع اللغوي غير موجود على الإطلاق، أو غير موجود بنفس المستوى أو النطاق في دول الشمال مقارنة بدول الجنوب، فالواقع اللغوي في الشمال ينطوي على وجود لغتين أو ثلاث على الأكثر، أو أربع لغات في بعض دول المنطقة، إذْ يتحدث الجميع تقريبا نفس اللغة باعتبارها لغتهم الأم، وحتى إذا أردنا دراسة الوضع اللغوي في فرنسا التي كانت تملك – تاريخيا – واقعا لغويا متنوعا، فإن معظم المواطنين الفرنسيين يعتبرون اللغة الفرنسية لغتهم الأم بدلا من لغتهم الإقليمية، غير أن الوضع مختلف في دول الجنوب.

وبناء على ذلك، يمكننا انتقاء ما يجب تعلمه من تلك الأنظمة التعليمية، كنماذج التعليم الإسكندنافية، غير أن المشكل يكمن في عدم امتلاكهم للآليات اللازمة المساعدة على الاستجابة لهذا التحدي وتحويله إلى نقطة قوة مجتمعية لأنه ليس واقعا حتميا. ومع ذلك، تمتلك كل من الفلبين ونيجيريا وبوليفيا تجارب ومبادرات تتمحور حول تعليم اللغة الأم، وحتى لو لم تكن كلها ناجحة تماما، غير أنه يمكن التعلم من أوجه القصور ومحاولة تفاديها مستقبلا؛ فعلى سبيل المثال، أصبح التعاون بين بوليفيا ونيجيريا والفلبين أمرا لا غنى عنه، وهو الشرط المسبق لأي تعاون حقيقي بين الشمال والجنوب من حيث الإدماج التعليمي – لأنه وبدون هذا الأساس، لن تعود مساعينا إلا بالنفع على عدد قليل من أصحاب الامتيازات.

هذه هي النقطة الفرعية الثانية التي وددت الحديث عنها والمتعلقة بنقطتي الثانية الخاصة بدوافع دول الجنوب. أما النقطة الأولى فتنطوي على فكرة أنّ النظام العالمي الحالي لا يخدم مصالحنا الإنمائية كدول، وعليه، فمن الضروري إدراك حاجة وضع بدائل حقيقية ومشتركة بين دول الجنوب، أما النقطة الثانية فتخص العلاقات الناشئة بين دول الشمال والجنوب والتي قسمتها إلى نقطتين فرعيتين: أولها أنّ تحقيق تعاون حقيقي بين متكافئين مرهون بتظافر جهود دول الجنوب لإعادة موازنة العلاقات مع دول الشمال، وثانيها أننا نتشارك بعض التحديات والتطلعات التي لا تُسهّل تطبيق مشاريع التعاون فحسب، بل وتضع شرطا مسبقا لتشكيل أي تعاون فعال بين الشمال والجنوب.

أنتقل الآن إلى النقطة الثالثة للإجابة على سؤال “لماذا الجنوب؟” قبل الإجابة على سؤال لماذا “الجنوب الكبير”، إذْ أنّ النقطة الثالثة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالنقطتين السابقتين. فبالنظر إلى النظام العالمي وإلى نماذج التنمية المطورة والمعتمدة في دول الشمال، والتي لا نزال نحاول تطبيقها في دولنا على الرغم من أنها لا تخدم مصالحنا التنموية، نعلم الآن يقينا أنها لا تستجيب لمصالحنا التنموية فحسب، بل أيضا – نظرا لأن هذا هو الفرق الرئيسي مقارنة بالفترة الذي تأسست فيه حركة عدم الانحياز – لا تخدم مصالح دول الشمال إذا درسنا المسألة من منظور كلي، كون أن هذا النظام العالمي ونماذج التنمية المنبثقة عنه تتسبب في خلق أزمة مناخية كارثية تقود العالم إلى حافة الهاوية.

المحاور: أظن أنهم تسببوا في خلق أزمات مالية عالمية لا زلنا نعاني من تبعاتها.

الأمين العام : بالتأكيد، ولكن قد يقول البعض، ولا سيما الخبراء الاقتصاديون التقليديون أنّ هذا الوضع طبيعي تماما، وأنه وعلى الرغم من تلك الأزمات، فإن ذلك يمثل أفضل الخيارات المتاحة. وفي حين أنني لا أشاطر رأي هذه الفئة من الخبراء، إلا أنّ المسألة تحولت إلى موضوع نقاش أيديولوجي يسوده الكثير من الذاتية. وبينما أحاول الانتقال إلى النقطة الثالثة والاستناد إلى البيانات الموضوعية، يمكننا أن نختلف على ما هو أخلاقي أو غير أخلاقي، وما هو صواب أو خطأ، كما يمكننا إعطاء الأولوية لأمور مختلفة استناد إلى دوافعنا واقتناعاتنا الشخصية، غير أنه لا يمكن الاختلاف على البيانات الموضوعية والعلمية التي تم التوصل إلى توافق عالمي حولها. وفي هذا الصدد، نعلم في الوقت الراهن، ولأول مرة في التاريخ، وبكل موضوعية أن هذه النماذج لا تخدم مصالح أي أحد على المدى الطويل.

لكن، وعلاوة على أزمة المناخ، فإن الكارثة المناخية التي ستسببها هذه النماذج، من الناحية الموضوعية، تتعلق بأزمة فيروس كورونا المستجد، فقد شهدنا أزمة إمداد في الشمال من حيث تأمين الكميات اللازمة من الكمامات ومعدات الحماية الشخصية لمواجهة الأزمة الصحية بشكل عام. في ذلك الحين، تحدثت العديد من هذه الدول عن إعادة التصنيع، وهذه مشكلة أخرى. الفكرة هي أن الوقت قد حان لإنشاء بدائل حقيقية، كون أن هذه النماذج لا تخدم مصالحنا في الجنوب فحسب، بل تعرّض أيضا مستقبل البشرية جمعاء للخطر كما أنه لا يمكن بناء هذه البدائل إلا من الجنوب، لماذا؟ ليس لأننا نعتقد بطريقة أو بأخرى أن الشمال قد فشل ولقد حان وقتنا لأخذ زمام الأمور – لأن هذه فكرة تافهة، وهذا ليس غايتي، غير أنه وفي حديثنا عن أزمة المناخ مثلا، نعلم أنه، وقبل اعتماد بديل حقيقي في دول الشمال، يجب تفكيك النماذج الحالية بشكل كامل. وما كنا نراه ثغرة تاريخية ومأساة تحول اليوم إلى ميزة، كون أننا لا نملك الكثير لنفككه ويمكن التركيز على مرحلة البناء.

مرة أخرى، سأذكر مثال التغير المناخي لأن الجميع يوافق على حدوثه ولا يخلق الكثير من الجدالات، غير أني لن أقصي الأساس المنطقي منه. باختصار، تعرض هذه النقاط الثلاثة المتشعّبة إجابتي عن السؤال المطروح في بداية الحوار: “لماذا الجنوب؟”. أعتقد أنه قد حان الوقت للإجابة على سؤالك: “لماذا الجنوب الكبير؟”، وهو مصطلح بدأت استخدامه تدريجيا، أولا من خلال اقتراح اعتماده في برنامجنا وعرضه على الجمعية العامة للنظر فيه، ثم في بعض خطاباتي. أولا، لأنني أشعر بعدم رضا عميق عن مصطلح“الجنوب العالمي”. على الرغم من أني كنت ولا زلت أستعمله في بعض السياقات، وذلك لشعبيته وسهوله فهمه، غير أنني بدأت باستخدامه بشكل أقل، ولكن لا أعتقد أنني أملك الوقت الكافي لشرح سبب فعلي لذلك.

إن اقتناعي بعدم صحة مصطلح “الجنوب العالمي” هو – أليست هي النقطة الأولى التي تجيب على سؤال “لماذا الجنوب الكبير؟ نابع من فكرة أن اللغة التي نستخدمها تشكل نظرتنا للعالم وتؤثر على فهمنا للواقع المعيش. ولوضع بدائل ناجعة، يجب اعتماد مصطلحات تخدم هذا الغرض. أتذكر حوارا مسجلا بين تشومسكي وفوكو يقول فيه فوكو، الذي قال لمسير الحوار – بتصرف – “أنا معجب جدا بتطلعات السيد تشومسكي وعزمه على بناء مجتمعات أكثر عدلا وإنصافا، ولكنني أعتقد أنه قبل أن نشارك في هذا البناء، علينا أن نحدد مراكز السلطة وننتقدها. وعندما نتحدث عن مراكز السلطة، يتبادر إلى أذهاننا الجيش والشرطة والقوات المستخدمة بطريقة قمعية من قبل جهاز الدولة، غير أن السلطة الحقيقية تنبع من الجامعة والثقافة والفن، وما إلى ذلك. وفي حال عدم انتقادنا لمراكز السلطة في المقام الأول قبل البدء في تفكيك ديناميكيات السلطة التي تتضمنها في بناء مجتمع جديد، فإننا نخاطر بإعادة إنتاج هذه الديناميكيات نفسها مستقبلا ولكن بشكل مختلف”.

وبالمثل، أتمنى أن نفعل نفس الشيء أثناء تصورنا للعالم، وفي هذه الحالة، يبدو لي أن مصطلح الجنوب العالمي يخفي في طياته أيديولوجيات معينة. وإذا لم ننجح في الكشف عن هذه الأيديولوجيات المتضمنة في المصطلح نفسه، فكيف يمكننا انتقادها؟ وإذا لم نتمكن من انتقادها، فكيف يمكننا تفكيك ديناميكيات السلطة التي تشتمل عليها؟ وإذا كان تفكيك ديناميكيات السلطة غير ممكن، فكيف يمكننا اعتماد تلك البدائل الحقيقية التي نطمح إليها؟ جدير بالذكر في هذا السياق أن مصطلح “الجنوب العالمي” يخفي أيديولوجيات معينة في طياته لأنه يشير إلى فئة من الأفراد الذين يجمعهم حيز جغرافي واحد، ويتشاركون هدفا معينا. ومع ذلك، تقع أستراليا جغرافيا في الجنوب، ومع ذلك لا يعتبر أي شخص أستراليا جزءا من الجنوب، في حين تنتمي كوبا والمكسيك الواقعتين جغرافيا في الشمال إلى الجنوب العالمي.

وعليه، فمن الواضح أن هذا المصطلح يحمل أيديولوجيات خفية أو على الأقل غير واضحة، لذا، يجب علينا أن نبدأ باستخدام مصطلحات أخرى تلائم واقعنا وتتماشى مع طبيعة تطلعاتنا. وغني عن القول أني قد سمعت ببدائل للمصطلح سابق الذكر، غير أنها لم تكن مقنعة بما يكفي، على سبيل المثال، يواجه “العالم النامي” أو “الدول النامية” إشكالية كبيرة، إذ ينبغي لنا أولا أن نحدد ماهية التنمية، فعند استخدام مصطلح “الدول النامية” جنبا إلى جنب مع مصطلح “الدول المتقدمة” فهذا يعني أن الدول النامية يجب أن تصبح مثل الدول المتقدمة، وأن تبذل ما في وسعها، إذا جاز التعبير، للوصول إلى مستوى تلك البلدان. ومع ذلك، نحن نعلم – بموضوعية – أنه لا يمكننا تحقيق ذلك، لأنني إذا كنت أملك قدرة خارقة في تمكين جميع البشر من عيش حياة الأمريكيين أو السويسريين فإنني أتسبب في الوقت نفسه في تدمير البشرية كون أن نماذج التنمية المعتمدة في مثل هذه الدول غير مستدامة من الناحية البيئية.

لذلك فإن مصطلح ” الدول النامية” ليس مجديا. ولقد سمعت مؤخرا مصطلح “عالم الأغلبية”، فمن المثبت – على الرغم من أن هذه الحقيقة مغيّبة – أن غالبية شعوب العالم متمركزة فيما يطلق عليه في الوقت الراهن “بالجنوب العالمي” غير أنها ليست ممثلة بشكل كافي على الصعيد العالمي. ولكن في نهاية المطاف، ما الذي يحمله من مزايا وعيوب، وما هي النظرة التي ينطوي عليها بشأن العالم؟ أعتقد أن هذا المصطلح مجحف بحق الدول التي تشكل غالبية العالم. وبطبيعة الحال، فإن المصطلح الذي أحبه كثيرا، وإن كان قد يفاجئك، هو “العالم الثالث” لأن “العالم الثالث”، لا يعني أن هناك عالما أولاوعالما ثانيا، بينما تحتل دول الجنوب المرتبة الثالثة، كما أنه ليس مجرد إشارة إلى النظام ثنائي القطب السائد في القرن الماضي؛ بالنسبة إلي، يشير مصطلح “العالم الثالث” إلى فكرة وضع بديل ينبثق من دول العالم الثالث ويُوجّه إليها، غير أنه صالح أيضا للتطبيق في جميع أرجاء المعمورة – أي أنه يعلن عن بناء طريقة ثالثة، كما يعجبني في هذا الصدد استخدام كلمة “العالم”، لأن العالم ينطوي على التنوع ويشير إلى ديناميكيات مختلفة.

المحاوِر: “العالم” يعني الإنسانية، أما الكوكب فلا يعني الإنسانية، بل العالم يعني كذلك. وهو ما يوحى بفكرة وجود عوالم ممكنة وأنّه لا يوجد حقيقة واحدة.

الأمين العام: بالتأكيد، غير أنّ “العالم الثالث” هو مصطلح محمّل بالكثير من المعاني، على نحو غير منصف، في رأيي – في المخيلة الجماعية وبدلالة ازدرائية للغاية. ويمكن للمرء أن يخوض معركة لتغيير هذا التصور للمصطلح. لكنني أعتقد أنه يتعيّن على المرء أن يختار معاركه، وأنّ تلك المعركة لا تستحق الخوض فيها، ليس في الوقت الراهن على الأقل. لذلك، بدأت في استخدام مصطلح “الجنوب الكبير” كفكرة، وهي فكرة جغرافية جزئيًا، ولكنها أيضًا مرتبطة ارتباطا وثيقا بالأفكار التي طرحتها سابقًا حول الحاجة إلى نظام عالمي يستجيب للمصالح التنموية للجنوب، ويخدم في الوقت نفسه مصلحة الإنسانية جمعاء، بما في ذلك الشمال. ومجدّدا، سواء كنّا سائرين نحو الأفضل أو الأسوأ، فنحن نتشارك نفس المصير.

ومع أخذ ذلك في عين الاعتبار، فإنّ مصطلح الجنوب الكبير يمكننا من تحرير أنفسنا قليلاً من هذا القيد الجغرافي الزائف، أو على الأقل التعسفي، ليشمل أيضًا جنوب الشمال – وأيضًا الاعتراف بوجود شمال في الجنوب، ولكن هذا موضوع آخر. ماذا أعني بـ “جنوب الشمال”؟ إنّ الانتماء إلى الجنوب الكبير – مع كل ما قلته – لا يعني مجرد الانتماء إلى منطقة جغرافية، بل الانتماء إلى إطار، إلى حركة تتسم بالتنوع، ولكنها موجّهة نحو تحويل المجتمع والعالم. وهذا يعني الانضمام إلى مجموعة الأفراد غير الراضين عن النظام العالمي. هذا هذا هو المكان الذي يضم فيه الجنوب الكبير بصفة نظرية اليوم، وبشكل فعال في الوقت المناسب، حركات مثل حركات الحقوق المدنية والنقابات العمالية وما إلى ذلك في الشمال. لذا، فإن الجنوب الكبير يأتي على وجه التحديد ليقترح شكلاً جديدًا، وقراءة جديدة للعالم تنبني على كل ما قلته للتو. وعلى الرغم من إطنابي في الحديث، أتمنى أن تكون إجابتي واضحة.

المحاوِر: إذن، فهو في الواقع مصطلح شامل؟

الأمين العام : إنّه بالتأكيد مصطلح شامل، إلاّ أنّه لا يضحّي بالمسيرة وبالديناميكيات التي مررنا بها في سبيل الوصول إلى وجهتنا، والتي تتمثّل في التحوّل وفي إرساء بدائل حقيقية، بداعي انضمام أكبر عدد من الأفراد إلى صفّنا.

المحاوِر: لأنّه يتحدّى ديناميكيات القوّة القائمة في العلاقات، وليس فقط في العلاقات بين الشمال الجغرافي والجنوب الجغرافي، ولكن أيضا في العلاقات داخلها؟

الأمين العام: نعم، إلى حدّ ما. إنّ موقفنا هو أنّ ديناميكيات القوّة غير العادلة، ديناميكيات الظلم هي ذاتها على الدوام. وهي تُترجم بشكل مختلف في سياقات مختلفة، لكنّ الديناميكيات الكامنة بين السطور، هي نفسها دائما، سواء كنا ندرس حقوق المرأة، حقوق الأقليات، حقوق العمّال، أو حتّى إن كنّا ننظر في الفوارق بين الدول أو الأقاليم التي ينبغي التغلّب عليها. إنّ ديناميكيات الظلم هي ذاتها على الدوام. لذا فإن تلك الحركات المناهضة للظلم فيما يسمى بالشمال تخدم أيضًا نفس القضية، عند النظر إليها على نطاق واسع.

المحاوِر: أودّ أن أعود إلى الوراء قليلا، وربّما إلى شيء ما له علاقة بهذا الجزء في الجزء الأول من هذا الحوار، أشرتَ إلى نماذج التنمية في الشمال، وخاصّة من حيث أنّها لا تخدم الجنوب، وأنّه من الواضح كذلك أنّها لا تخدم الشمال أيضا، وعندما ننظر إلى الاستدامة البيئية على سبيل المثال، أو عند تحليل إشكاليات التهميش الأخرى، التي قد تتعلّق بالنوع الاجتماعي والعنصرية وما إلى ذلك. وما يحيّرني هو إن كان هنالك تحوّل ما في وقت من الأوقات، فاصل بين نماذج التنمية في الشمال وبين حلول الشمال للجنوب، التي لا تستنسخ نماذج التنمية للشمال. وعوضا عن ذلك، تبدو أنّها حلول، إن أردت، مؤيّدة للنماذج الشمالية. فعلى سبيل المثال، في التسعينات، كانت الحلول المقترحة من الشمال للجنوب تتلخّص في خصخصة كل شيء، وهو ما لم ينطبق في الماضي في الشمال ولا في الوقت الراهن.

الأمين العام: هذه نقطة مهمّة جدًا، وأنا أتفق معها تماما. وفي الواقع، سيكون من المستحيل على الجنوب أن يكرّر النموذج الذي يستخدمه الشمال، مع وضع مسألة الموارد جانباً، أو بالأحرى لا، لأن الموارد هي لبّ الموضوع. لماذا؟ لأنه ليس في كنف الديمقراطية، كما يزعم البعض غالبا، يتحقق الازدهار في الشمال. وليست الديمقراطية هي التي أفضت إلى الازدهار في الشمال. إنه الاستغلال. وبعبارة أخرى، إذا اضطر الجنوب إلى استخدام نفس النموذج بالضبط، فسيتعين علينا أن نصبح دولًا مستعمرة، ونستغل الأمم، ونستغل الناس، وننهب الموارد، ونصبح مستعبدين. وفيما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة، بين قوسين، من المؤسف أنه من الصحيح، وبأكثر الطرق مأساوية وحقارة، أن العبودية كانت حقيقة على مر التاريخ، في كل منطقة من مناطق العالم.

كان هناك عبيد أفارقة في أفريقيا، وكان هناك عبيد أفارقة في العالم العربي وعبيد عرب في العالم العربي، وكان هناك عبيد في الإمبراطوريات الأصلية في أمريكا اللاتينية. وفي الشمال، يحرصون على تذكيرنا بذلك كلما ذكرت العبودية. وهي وصمة عار فظيعة في ماضي كل ثقافة، وكل أمة، ووصمة عار يجب أن نقرّ بها. ومع ذلك، فإن ما فعله الشمال، والذي لم يحدث من قبل في التاريخ، هو تحويل العبودية إلى صناعة فعلية – لقد صنعت العبودية. وانطلاقا من تلك الصناعة – والاستعمار هو في الواقع امتداد لتلك الديناميكية – قامت ببناء ثروتها وبذخها. وفي الواقع، فإن أوروبا، التي ستصبح فيما بعد الشمال الذي يضم الولايات المتحدة، كما قال فانون، هي حرفيًا خلق العالم الثالث. ولعدة قرون، حمّلت الموارد: المنسوجات والمعادن والذهب والقهوة إلى أوروبا، مما أدى إلى ازدهارها. حتى الدول الأوروبية التي لم تكن لديها مستعمرات استفادت بشكل كبير من الاستعمار وتجارة العبيد، حيث قامت ببناء الثروة في ومما يسمى بـ “الأسواق” التي تديرها القوى الاستعمارية الأكبر.

المحاوِر: وهو ما لا يعتبر دينا.

الأمين العام : وفقا لمنطق النظام في الوقت الراهن، قد يكون من غير المعقول أن نسميه كذلك. ومع الاستعمار، لم تنتقل موارد الجنوب إلى أوروبا فحسب، بل تم بيع هذه الموارد نفسها إلينا مرة أخرى، بعد معالجتها، وبقيمة مضافة. وستلاحظ أنّ الديناميكيات لم تتغير بالكامل. ولكن إذا عدنا إلى النقطة الرئيسية، كاستنتاج، فسوف يكون من المستحيل – ومن غير الأخلاقي أن نتبنى النماذج الفعلية التي قادت الشمال إلى ازدهاره الحالي.

المحاوِر: ليست الرأسمالية التي أدّت إلى الثراء، إذن؟

الأمين العام: حسنًا، بالإضافة إلى العبودية الصناعية والاستعمار، فقد وضعوا نماذج أخرى، مثل الرأسمالية وفي الأخير الليبرالية الجديدة، ولكن لم تكن هذه هي الطريقة التي تطورت بها أوروبا وأمريكا الشمالية بشكل كامل – ربما أدى ذلك إلى زيادة ثروتهم بشكل أكبر، وتسريع نموّهم، ولكن هذا هو كلّما في الأمر. وبالطبع، فإن النماذج التي اقترحوها علينا بشكل منهجي تقريبًا منذ ذلك الحين هي نماذج تمهّد الطريق أمام صناعاتهم الخاصة، أمام للقدوم إلى بلداننا، والاستثمار في قطاعاتنا الاستراتيجية، وتكرارها بطريقة ما، نفس الديناميكية الاستخراجية للاستعمار.

المحاور: إلى أين يعودون…

الأمين العام: يوجد مثال كثيرا ما أستدلّ به لتوضيح وجهة نظري، مأخوذ من مقال نُشر في الغارديان في سنة 2016 أو 2017، وعلى الرغم من أنه عليّ التحقق من الأرقام الصحيحة لأنّه قد مرّت سنوات عديدة منذ أن اطلعت إليه، فإنّ المقال يبيّن أنّه في حين أنّ الجنوب قد تلقّى في سنة معيّنة ما يزيد عن تريليون دولار كتدفقات مالية، بما فيها الإعانات والاستثمارات، فأكثر من 3 تريليون دولار تغادر الجنوب سنويا نحو الشمال.

المحاوِر: مع أخذ كل ما قلته بعين الاعتبار، يبدو لي أنّ الإشكالية المحورية تتمثل في تعددية الأطراف، وفي اتجاهها. أي، كيفية إرساء ر كائز لتعددية جديدة تراعي أيضا – وذلك ما يمثل منظمة التعاون الجنوبي نفسها، أفترض – ديناميكيات القوّة هذه القائمة في كل العلاقات، وكيفية إعادة التوازن فيها من أجل الوصول إلى عالم أكثر سلاما حيث يكون التعايش ممكنا؟

الأمين العام: كما قلتَ، هذا يمثل إلى حد كبير مقترح منظمة التعاون الجنوبي، وبنية منظمة التعاون الجنوبي في حد ذاتها. لأنّ الأساس المنطقي لإجابتي الكاملة، وأساس كل ما سوف أقوله بشأن ذلك هو أنّه لا يوجد تعددية دون هيئات متعددة الأطراف. وبالتالي، لتشكيل نوع جديد من التعددية، نحن في حاجة إلى نوع جديد من الهيئات المتعددة الأطراف، وكلّ شيء نبذل قصارى جهودنا لتحقيقه لإنشاء وتعزيز وتطوير منظمة التعاون الجنوبي يسير في ذلك الاتجاه. والسؤال الآن يتمحور حول نوعية الهيئات المتعددة الأطراف التي نحتاج إليها. وسوف أعمل جاهدا للإجابة عن ذلك دون أن أفسّر منظمة التعاون الجنوبي في حدّ ذاتها، ولكني سوف أشير إلى مبادئ أكثر عموما.

تتعلّق نقطتي الأولى – حتّى وإن كانت تبدو بسيطة، وأنا لا أعتقد أنّها كذلك، ولو كانت بسيطة، بأنّ منظمة دولية غير حكومية، في هيكلها التنظيمي، لا تستطيع تكرار ديناميكيات القوة التي من المفروض أن تتصدّى لها. ولعلّ دراسة الحالة الواضحة هنا تتمثّل في الأمم المتحدة، حيث اعترف الأمين العام السابق للأمم المتحدة، الراحل كوفي عنان، بوجود قصور هيكلي في النظام وكان من بين من حاولوا إصلاحه. وفي هذه المؤسسة الاستثنائية التي تمثل جمعية لكل الشعوب، وليس لكل الشعوب نفس الصوت، حيث يمكن إيقاف بعض المبادرات من طرف دولة واحدة وحيدة، بسبب ما يبدو أنّه حق مقدس – لأنّها تحظى بمقعد دائم في مجلس الأمن، وبحق النقض.

إلاّ أنّه قد قيل لنا أنّ وجود مجلس الأمن هو أمر أساسي من أجل إصدار قرارات مهمة خدمة للسلم، والأمن الجماعي في الوقت المناسب، كما أن حق النقض مهم على حد السواء لتفادي التصعيد الناتج عن التصويت – بعبارة أخرى، لضمان توافق الآراء في صنع القرار. ويجب مناقشة هذه الحجة، لكنني أتفهم أن ذلك ضروري، في بعض الأحيان، بالنسبة إلى المسائل ذات الأهمية الفائقة، والعاجلة للغاية، وفي حال كانت منظمة تنظيما جيدا، لكي تفسح المجال أمام اللجان الأصغر لاتخاذ القرارات. ولكن قبول هذه الفرضية، أنّ بعض البلدان تحظى بأصوات أكثر من غيرها، أمر يظل غير مقبول ويكرّر ديناميكيات عدم المساواة والظلم. لم لا نحظى بمجلس أمني يتم تمثيله حصريا من الهيئات الإقليمية – مع الاتحاد الإفريقي، الجامعة العربية، وجماعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، والاتحاد الأوروبي وما إلى ذلك، هي نفسها تتكون من دول أعضاء وتحظى بصوت واحد مع حق النقض.

وقد يكون هذا، في رأيي، أكثر منطقية، في حال أنّه من الضروري وجود مجلس أمن، لمواجهة ديناميكيات القوة للنظام الحالي. وفي أيّ حال، نقطتي الأولى هي أنّه لا يجب أن يكون لأيّ دولة صوت أقوى من أي دولة أخرى داخل هيئة متعددة الأطراف. ويوجد بالطبع جوانب أخرى لطرحها حول النوع الجديد من المنظمات الجديدة الذي نحتاج إليه، لكن هذا سيقودني بعيدا عن إطار سؤالك. وسنتحدث عن هذه المسألة في سياق معين. وسوف نتحدّث عن هذه المسألة في سياقها. ومن ثم، على المرء أن يقوم بتطوير وعيه – وذلك ليس بالأمر البسيط أو السهل. وقد لا يكون من المثير للإعجاب أن أذكر هذا، لأنّه لا يوجد وصفة تقنية لبناء الوعي، ولكن، سواء أحببنا ذلك أم لا، فإنّ تعددية الأطراف في السياسة في أفضل معاني الكلمة – مشروع من أجل العالم – ومثلما تتطلّب السياسة الوطنية بيداغوجيا، التي هي عملية حوار وتعلّم مشترك، فكذلك تفعل التعددية الجديدة للأطراف.

المحاوِر: قبل أن نواصل في الحوار، أودّ العودة إلى نقطة الأمم المتحدة للحظات. يوجد انتقاد للأمم المتحدة لعدم فعاليتها في عديد من الحالات لكنّه يوجد أيضا تقدير إلى حدّ ما، فبينما عملها ليس بالعمل المثالي، إلاّ أنّها تظلّ فضاء يجب المحافظة عليه لأنّه يمثّل ما تمكّنا من إنجازه ولأنّه يؤدّي وظيفة مهمّة وكذلك، على سبيل المثال، في أمريكا اللاتينية وفي منطقة البحر الكاريبي اليوم، يوجد استياء شديد إزاء منظمة الدول الأمريكية (OAS)، ولم يكن الأمر بهذا الشكل منذ عشر سنوات مضت. ومع ذلك، تظلّ منظمة الدول الأمريكية، بصفة عامّة، فضاء تؤدّي فيه بلدان الأمريكتين دورا استباقيا. لم تعتقد أنّنا نتشبّث بالمؤسسات التي تمكّنا من إنشائها، على الرغم من عدم قدرتنا على تحويلها إلى شيء آخر في الواقع، ولم نستطع أيضا إنشاء مؤسسات جديدة بديلة؟

الأمين العام : حسنا، أفترض أنّه يمكن للمرء أن يعتبر المثال التالي: المؤسسات التي نمتلكها هي أشبه بقوارب النجاة، التي تنقذ أرواحنا من الغرق. والآن، نحن ندرك أنّنا لم نُمنح نفس مقاعد ركّاب الدرجة الأولى، الذين بنيت من قبلهم، ولقد تُركنا في المياه حتّى، ولم يتم سحبنا إلاّ عندما تغمر المياه رؤوسنا. ولكن، حتّى وإن كنا غير راضين عن هذا الوضع، فنحن ببساطة لا نلمح أيّ قارب نجاة آخر.

المحاور: أو قطعة خشب

الأمين العام: وإذا كنّا سنحصل على قارب نجاة آخر، فيه مساحة أكبر، ربّما سوف نتخذ فيه مقعدا– ليس تخلّيا عن القارب الأوّل، ولكن لحماية أنفسنا بطريقة أفضل و، ربّما، لكي يغيّر ركّاب قارب النجاة الأوّل موقفهم اتجاهنا – الغريق الذي لا يوجد خلاص له إلاّ قبول البقاء في البحر – وبدء التعاون معنا لكي تصل قواربنا إلى مرفئها الآمن. وفي إحدى تدخلاتي، وفي إطار تغيّر المناخ، ذكرت أنّه لا يوجد هدم دون خطط لإعادة البناء. والآن، سوف أتعمّق أكثر في هذا الإطار. وخطّة إعادة البناء ليست كافية: يجب أن يكون لدينا بناء متوازي، ليس كبديل، بل كعنصر مكمّل لقوارب النجاة الأخرى، لنتمكّن جميعا من الوصول إلى مرفأ آمن – أي أنّ، الهدف لا يكمن في إزالة قارب النجاة الذي يقلّ ركّاب الدرجة الأولى، بل في إنشاء قوارب إضافية نستطيع انطلاقا منها تنسيق الملاحة للوصول إلى المرفأ الآمن. وبصورة أكثر تحديدا، فيما يتعلّق بالأمم المتحدة، سوف يكون من الحماقة إزالتها. وكما أشرت بشكل صحيح، فهي تضطلع بدور مهم رغم أوجه النقص. لكن، يجب أن يكون لنا أيضا مساحات أخرى، مساحات إضافية تُصمّم لتفادي تكرار أوجه النقص تلك.

إحدى طرق القيام بذلك، وبغض النظر عن مسألة مجلس أمن التابع للأمم المتحدة باعتبار عدم المساواة الهيكلية، علينا أيضا الاعتراف بوجود قوّة اقتصادية في إطار المؤسسات المتعددة الأطراف. عندما تساهم دولة – وأيضا في حالة الجهات المانحة من القطاع الخاصّ أو المجتمع المدني – بنصف أو حتّى ثلث ميزانية منظمة دولية، يحقّ لذلك المساهم أن يملي اتجاه المنظمة، وفي حال لم يقم بذلك، يمكن للأمانة العامّة لتلك المنظمة الدولية أن تتصرّف بشكل استباقي، وربّما حتّى بطريقة غير واعية، على النحو الذي تعتقد أنّ تلك الدولة أو الجهة المانحة تتوقع منها أن تتصرّف به. يجب أن تكون هذه الهيئة المتعددة الأطراف مستقلّة ماليا – وأقول ماليا، لأنّها لا تستطيع ولا يجب أن تكون مستقلّة تماما: ويعني ذلك أنّه على الدول الأعضاء أن تشارك بفعالية في اتخاذ القرارات وأن تشرف على عملها -، لأنّ تلك هي الطريقة الوحيدة لضمان ديمقراطية حقيقية لجمعية الدول الأعضاء ذات السيادة، حيث يتم التصويت على القرارات.

والآن، لقد سألتني أيضا عن رأيي عن سبب عدم تمكّننا من إنشاء بدائل حقيقية، فيما يتعلّق بنماذج تعدد الأطراف والتطوير. أعتقد أنّه يوجد عدّة أسباب لذلك، وربّما هي تقنية أكثر وهو ما أظنّ أنّك مهتم بمعرفته أكثر من شرحي لواقع أننا لم نكن نعلم كيفية بناء وعي أممي حقيقي، وهو ما أعتقد أنّه لا يزال علينا القيام به.

أوّلا، بالنسبة إلى المؤسسات التي تمكنا من إنشائها، والتي لم تتطور لتصبح البديل الحقيقي الذي أردناه، أعتقد أننا قد كرّرنا جوانب عديدة من الهيئات المتعددة الأطراف، لأننا افترضنا أنّ الإشكالية تتعلّق بأفراد أو دول محددة، في حين كانت الإشكالية الجوهرية هيكلية. أو كتصحيح مفرط للإشكاليات الهيكلية التي وجدناها في أولى الهيئات المتعددة الأطراف، صممنا منظماتنا الجديدة بطريقة أصبحت بها عاجزة، دون أيّ سلطة تقديرية، تتطلب من رؤساء الدول والحكومات الالتقاء باستمرار من أجل اتخاذ قرار. وباختصار، تكمن الإشكالية الأولى في أننا كررنا نماذج أولى الهيئات المتعددة الأطراف بجميع أوجه القصور الهيكلية التي تنطوي عليها، أو لأننا نشعر بالرضا عن الإشكاليات الهيكلية لهذه الهيئات، انتهى بنا الأمر، بدون قصد نصمّم منظماتنا الجديدة بطريقة تمنعها من القيام بأي شيء ملموس على الإطلاق.

المحاور: هل تعني أنّه، خوفا من التعرّض للأذى، أسّسنا منظمات عاجزة؟

الأمين العام: باختصار، وبصفة جزئية، نعم. السبب الثاني، وفقا لاعتقادي، يتمثّل في أننا عندما أدركنا كيفية صياغة بدائل حقيقية، لا تكرّر النماذج الموجودة ولا تجعل منها عاجزة، فقد قمنا بذلك على أسس إيديولوجية. فكانت المنظمات اليسارية للحكومات اليسارية، أو المنظمات الليبرالية الجديدة للحكومات الليبرالية الجديدة. والنتيجة هي أنه، عند حدوث تغيير في الحكومة، تتفكك هذه المبادرة بأسرها. وبعبارة وبعبارة أخرى، في حين يجب أن يكون لنا إطار إيديولوجي – يتمثل في التحوّل والسيادة واحترام الحقوق، الى غير ذلك، – وأنّه يجب أن يكون إطارا واسعا بالقدر الكافي في سياق تعددية الأطراف، من أجل الإقرار بتنوّع البلدان وبالاختلافات فيما بين الحكومات. ويجب أن يوفّر هذا الإطار الحسّ بالانتماء بالنسبة إلى الدول الأعضاء، بغض النظر عن الاختلافات الإيديولوجية، حيث يمكن لحكومة يمينية ولحكومة يسارية أن يساهما ويتعاونا بنفس القدر. إلاّ أنّنا كلما قمنا بصياغة هيكل بديل حقيقي، هيكل مختلف حقا، إلاّ وأفضينا عليه صبغة إيديولوجية للأسف إلى درجة الحكم عليه بالفشل.

أما النقطة الثالثة التي أريد التطرّق إليها فتتمثّل في أننا لم نَمنح صوتا كافيا للشعوب في تلك المنظمات الحكومية الدولية، وبصورة مباشرة أكثر بقليل من تمثيل من الحكومة. ولتجنّب الشك، اسمح لي أن أوضّح أولا أنّه لا يمثل على الإطلاق دور الهيئة المتعددة الأطراف في التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ما. وبعد أن ذكرت هذا والتزمت به، يمكننا الآن طرح الحقيقة المعروفة التي تتمثل في أنّ العديد من بلدان الجنوب تتلقى ضغوطات كبيرة، خاصّة المالية، من مصادر خارجية بخصوص السياسات التي تريد اعتمادها – ما ليس بأقل من تهديدات. وفي عديد من الحالات، وخاصة في حالة الضغط المالي، تنظر حكومات تلك الدول، لأسباب مفهومة، من أجل ضمان استمرار توفير الخدمات الأساسية لصالح شعوبها، باعتبار أنّه من الممكن أنّها لا تحظى بأي خيار آخر باستثناء الخضوع لذلك الضغط الخارجي.

ولكن، في حال وجود ضغط من الرأي العام من الشعب، على المستويين الوطني والدولي، فيما يتعلّق بقرار معين تتخذه الدول الأعضاء ضمن هيئة متعددة الأطراف – وهو بديل حقيقي-، أنّ الضغط العام أيضا يصبح أيضا سبيلا وخط دفاع بالنسبة إلى الدولة المعنية في مواجهة الضغط الخارجي والمالي في الأغلب. وهنا أقول لك أننا لم ندمج الأشخاص بالقدر الكافي في إطار مؤسساتنا البديلة حقا. أي أنه، في حين أنّي أعتقد أنّه هناك عمل للقيام به على مستوى الحكومات إزاء شعوبها – وهو شأن خاص بكلّ بلد-، يوجد كذلك عمل يتعين القيام به على مستوى الهيئات المتعددة الأطراف لإشراك مجموعات المجتمع المدني، كتلة مهمة، تتجاوز المنظمات غير الحكومية الرسمية التي هي، يجب القول، سلطة في حدّ ذاتها وليست ممثلة بالضرورة – حتّى وإن كان هذا سوف يشكّل – الرأي العام.

وتتمثل النقطة الرابعة، التي تنضاف إلى ما سبق وتشمل كل القطاعات، هي أنه، على مر التاريخ، كنّا شفافين للغاية، أو متكتمين للغاية. أي أنّه، في الحالة السابقة، في كثير من الأحيان، حدّدت البدائل الحقيقية علنا الهدف النهائي – بأفضل النوايا-، وما الذي يجب فعله لتحقيقه وكيف ذلك، موعد انطلاق التنفيذ، نوع الموارد التي سوف يتم استخدامها، وخطط الطوارئ التي سيتم وضعها. وبعبارة أخرى، قامت بالإفصاح عن الاستراتيجية الكاملة، في مواجهة المصالح القوية التي تتعرّض للاضطراب. ومن الناحية الأخرى، صممت ونفذت بعض من المبادرات البديلة الحقيقية، في محاولة لمنع التخريب تحديدا، بطريقة مبهمة وسريّة لكي تنقل المستوى اللازم من الدعم لتحقيق أهدافها. وبإيجاز، أعتقد أنّ السبب الرابع والأخير، يتمثّل في أنّنا إمّا قد كنا متكتمين إلى حدّ أنّنا عجزنا عن بناء الكتلة الحرجة الضرورية لتحقيق تطلّعاتنا، أو شفافين لدرجة أنّنا قد حكمنا على أنفسنا بالفشل. وهذه هي النقاط الأربع التي أعتقد أنها تجيب عن سؤالك.

قريبا

Très Prochainement

Pronto