يمثّل التعليم المتوازن والشامل (BIE) ركيزة أساسية لمنظمة التعاون الجنوبي (OSC) تتجاوز مجرّد التعلم الأكاديمي؛ وهو ينضوي على تنمية التفكير النقدي واحترام التنوع الثقافي والاجتماعي. كما أنّه يمثّل مفهوماً جديداً، أو طريقة ثالثة جديدة للتنمية، تسعى لتعزيز المساواة والإنصاف في جنوب العالم، الذي يضمّ بلدانًا من إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا والشرق الأوسط ومنطقة البحر الكاريبي.
وفي عالم اليوم المترابط وسريع التغيّر، يمثّل التعليم حجر الزّاوية في بناء مجتمعات شاملة للجميع وفي تعزيز التنمية المستدامة، ومع ذلك فإنّ أنظمة التعليم القائمة في الجنوب العالمي منفصلة تمامًا عن الحقائق اليومية لمواطنيها ومجتمعاتهم. فعلى سبيل المثال، يوجد تواصل أقلّ بين الجهات المعنية بنظم التعليم والمجتمعات المحلية؛ وغالبا ما تقوم المعرفة غير الأكاديمية على الترابط الثقافي كما أنّها متداخلة وتقع على هامش نظم التعليم المقبولة. ويتطلّب تحقيق التعليم المتوازن والشامل الحقيقي أكثر من مجرد ضمان الالتحاق بالمدارس؛ بل يستلزم تبنّي وجهات نظر متنوعة، وتمكين المجتمعات المهمشة، وإدماج الحكمة المحلية في النظم التعليمية.
ومعظم النظم التعليمية في الجنوب العالمي هي موروثة من قوى استعمارية سابقة، وبالتّالي فإنّها لا تزال متمحورة حول شكل ثقافي غير متوازن من أشكال التعلّم. ويشكّك البعض في قيمة المنهج التعليمي أو المفهوم الذي لا ينطبق على التنمية الحديثة أو الاحتياجات والقيم الاجتماعية أو التقليدية.
يكمن التركيز الأساسي للتعليم المتوازن والشامل في التحوّل من خلال الاستفادة من نهج شمولي يتعلّق بالسياسات العامّة ويحظى بأطر تمنح الأولوية للإنصاف والتنوّع والشمول. وسيمهّد تحقيق نهج السياسات العامّة الطريق أمام بناء القدرات المؤسسية في البلدان الأعضاء ومواجهة الحواجز النظامية، وتعزيز الممارسات الشاملة على جميع مستويات النظام التعليمي، وتقديم الخبرة في تطوير المناهج الدراسية، وتدريب المعلمين، ومنهجيات التقييم، والبيداغوجيا الشاملة لتعزيز جودة التعليم وأهميته بالنسبة إلى جميع المتعلّمين.
تم إنشاء معهد منظمة التعاون الجنوبي مؤخّرًا في المقرّ الرئيسي للمنظمة في أديس أبابا، وهو مبني على أحدث طراز، وسوف يستضيف أول برنامج تدريب مكثّف لمدة شهرين من المقرّر أن ينطلق في شهر أبريل/ نيسان 2024. ويهدف هذا البرنامج إلى الجمع بين 84 مسؤولاً من وزارات التعليم، من بينهم خبراء تقنيون رفيعو المستوى في تصميم المناهج الدراسية، ومهنيون مُدرَّبون، وواضعو سياسات من الدول الأعضاء. ويكمن الهدف من ذلك في تعزيز القدرات المؤسّسية في مجالات التعليم المتوازن والشامل، والبحوث والإنتاج العابرين للمناهج، والتكنولوجيا المحليّة (المستمدة داخليا أو المحلية) والتنمية، والتحول الاقتصادي الاستراتيجي.
فضلا على ذلك، فقد قطعت منظمة التعاون الجنوبي أشواطًا كبيرة في النهوض بالتعليم المتوازن والشامل عبر استخدام تقنيات مبتكرة وأطر رقمية. هذا وقد يسّرت منظمة التعاون الجنوبي تطوير الأدوات الرقمية وتزويد الدول الأعضاء بها من خلال إطلاق نظام معلومات الجنوب العظيم(GreSIS) ومركز مصادر إثراء التعلّم في الجنوب العظيم (GresLERN). وتتيح هذه الأدوات إنشاء محتوى تعليمي تفاعلي وسياقي. وبتقديم هذه الموارد مجّانًا وبشكل متقدّم ومفتوح المصدر وقابل للتخصيص، تجسّد منظمة التعاون الجنوبي مبادئ التوازن والشمولية التي لا تقتصر على الأوساط الأكاديمية فحسب، بل تشمل مختلف التخصصات، وهو ما يضمن عدم ترك أيّ أحد يتخلّف عن الركب.
ومن خلال دعوتها إلى اعتماد نهج شمولي يتعلّق بالسياسات العامّة لإنشاء نظم تعليمية تحتفي بالتنوع، وتعزّز الإدماج، وتمكّن المتعلّمين من أن يصبحوا عوامل تغيير إيجابية في مجتمعاتهم المحلية وخارجها، تؤدّي منظمة التعاون الجنوبي دورا محوريا متواصلا في دعم الجهود التعاونية والتضامن عبر الحدود لبناء مستقبل أكثر إنصافا وشمولا للجنوب، من أجل الإنسانية.