سلسلة الحديث عن كتاب في نسختها الثالثة عشر: استكشاف أفكار بوافينتورا دي سوزا سانتوس عبر كتابه “نحو جماليات نظريات المعرفة في الجنوب: بيان في اثنتين وعشرين أطروحة”

مشاركة

قدّم مواماندي مونثالي، منسّق التعلّم المؤسسي في إدارة التطوير التعليمي النظامي والمحلي (SEED)، تحليلًا معمقًا حول محتوى البيان. تناول الكتاب إطارًا لفهم القوة والمقاومة العالمية من خلال منظور يجمع بين المعرفة والفن، مسلطًا الضوء على الأطروحات المحورية التي تشكّل جوهر كتاب “المعارف المولودة في النضال”. طرح سانتوس رؤية نقدية تعيد التفكير في العالم الحديث باعتباره نظامًا يقوم على ثالوث مترابط يشمل الرأسمالية، الاستعمار، والسلطة الأبوية. وأكّد أنّ هذه القوى تعتمد على نظريات المعرفة السائدة في الشمال العالمي، والتي أدت بدورها إلى تهميش واستبعاد أشكال معرفية أخرى. تدعو هذه الأطروحات إلى تبني نهج إنهاء الاستعمار عبر مفهوم “نظريات المعرفة في الجنوب”، وتبرز أهمية شخصية “فنان ما بعد القطيعة الهويّة” كرمز محوري في مسيرة التحرير لمواجهة هذه الهيمنة.

في أطروحاته، يسلّط سانتوس الضوء على مأساة مركزية تواجه المقاومة الحديثة، وهي تجزئة الجهود التي تُبذل في مواجهة أشكال الهيمنة الثلاثة: الرأسمالية، الاستعمار، والسلطة الأبوية، والتي يرى أنّها تعمل ككيان متكامل ومترابط. ووفقًا لوجهة نظره، يعود سبب هذا التجزّؤ إلى سيطرة النموذج الحضاري الأوروبي المُتمركز، المدعوم بنظريات معرفية شمالية تفرض “سردية زائفة” تُقر بغياب أي بدائل للوضع الراهن. إن أقوى أدواتهم هي ما يسميه سانتوس“الحد الهوّي” –الانفصال غير المرئي لكن الجوهري الذي يفصل بين التواصل الاجتماعي الحضري، حيث تنطبق المُثل العالمية “” للإنسانية والحقوق، عن التواصل الاجتماعي الاستعماري، ويصير السكان دون البشر، ومعرفتهم تخضع للإفناء المعرفي. وفي المقابل، تتعرض ثقافاتهم وحياتهم بصورة متواصلة للعنف والقمع والاستغلال.

استنادًا إلى ما ذُكر، يقترح سانتوس مفهوم “نظريات المعرفة في الجنوب” كبديل يهدف إلى مواجهة الهيمنة التي تفرضها نظريات المعرفة القادمة من الشمال. ويرى سانتوس أنّ هذه النظريات لا ترتبط بالموقع الجغرافي فحسب، بل تمثل موقفًا سياسيًا ومعرفيًا يسعى إلى تشكيل رؤية لـ “بيئات معرفية” تتسم بالتنوع والشمولية. هذه الرؤية تجمع بين مختلف أنواع المعرفة، سواء كانت أكاديمية أو غير أكاديمية، علمية أو فنية، أوروبية أو غير أوروبية، مع تجنب التراتبية أو التفاضلية بينها. كما يؤكد سانتوس أن هذا النهج المعرفي يسعى لتقدير المعارف التي تنشأ من مقاومة القوى المهيمنة مثل الرأسمالية والاستعمار والسلطة الأبوية، مشددًا على أن تحقيق العدالة الاجتماعية على المستوى العالمي يتطلب الاعتراف بتعدد وتنوع أشكال المعرفة المتاحة.

لتحقيق الحل الذي يطرحه سانتوس، تتجلى فكرة “فنان ما بعد القطيعة الهويّة” بوصفه نقطة ارتكاز نقدية لـ”جماليات الجنوب”. وفقًا لطرح سانتوس، تتمثل مهمة هذا الفنان في إطار مقاربة جماليات الجنوب في إدانة إرث “الخط الهوّي”، وتسليط الضوء على العنف والقمع الذي صاحب أشكال التواصل الاجتماعي التي فرضها الاستعمار بطرقها الوحشية. علاوة على ذلك، يسعى هذا الفنان إلى إعادة الاعتبار للأشكال والممارسات الفنية التي تنتمي للجنوب، التي وُصفت على أنها بدائية أو مسيئة، وحتى أنها لم تُعتبر موجودة أصلًا.

وفي سياق الحلّ المقترح الذي يطرحه سانتوس، يتم إنتاج الفن الذي يميّز فنان ما بعد الهوّة مع ”المجتمعات“، وليس ”عنها“ أو ”عليها“. وهو ما يشكّل فنا جماعيا، وليس فرديا. بالإضافة إلى ذلك، يطرح سانتوس اقتراحًا يميّز فنان ما بعد الهوّة باعتباره متخصصًا في ’الغيابات‘ و”الظهورات“. وفي هذا الصدد، يرى سانتوس بأن الفنان ما بعد الهوّة يمنح ”حضوراً“ لما جعله النظام المهيمن ’غائباً‘ ويخلق إمكانيات جديدة كامنة أو ”لم تتحقق بعد“. لذلك، يصف سانتوس الفنان ما بعد الهوّة بأنه متخصص في ”علم اجتماع الغيابات“ و”علم اجتماع الظهورات“.

وفي الختام، تشكّل أطروحات سانتوس دعوة شديدة التأثير لتجاوز المقاومة المجزّأة. ومن خلال التأكيد على معارف المضطهدين وتبني جماليات ثورية وجماعية، تهدف نظريات المعرفة في الجنوب وفنانيه ما بعد الهوّة إلى تفكيك الخط الهاوي الذي يفصل بين الاجتماعية الحضرية والاجتماعية الاستعمارية. ومع تزايد حدّة الإقصاء في سياق التفاعل الاجتماعي الاستعماري، يتوجّب على شعوب بلدان وأقاليم الجنوب الكبير المشاركة في خلق عوالم جديدة تنبع من ذواتنا وتخلو من الآثار المتشابكة للرأسمالية والاستعمار والذكورية. وفي هذا السياق تسعى منظمة التعاون الجنوبي. بصفتها منظمة حكومية دولية تأسست من قبل دول الجنوب الكبير إلى المساهمة في القضاء على الإقصاء العميق المرتبط بالاجتماعية الاستعمارية، من خلال برامجها المختلفة التي تهدف أساسًا إلى تقييم مجالات المعرفة الأكاديمية وغير الأكاديمية من الجنوب الكبير وإبراز قيمتها، من بين مجالات أخرى.

وخلال الحدث، نشّط أسيسيرا سيمون روابيوما، كبير الباحثين والمتخصّصين في السياسات – تنمية المعارف المحلية )إدارة البحث والتقييم والاستشراف – REEF) المناقشة من خلال ربطها بالسياق التاريخي لأشكال الهيمنة الثلاثة: الاستعمار والرأسمالية والذكورية، وفقا لرأي المؤلف بونافينتورا دي سوزا سانتوس. وحدّد المشارك في المناقشة أسباب التحديات والمقاومة المجزأة عبر الاثنتين والعشرين أطروحة بالرجوع إلى المواقف الفكرية للعلماء والمثقفين المنتمين إلى مدارس الفكر الاستعمارية وما بعد الاستعمارية. وقدّمت المناقشة نقدًا وفهمًا دقيقًا لجماليات لنظريات المعرفة في الجنوب والبيان المقترح في الاثنتين والعشرين أطروحة.

وقد ربطت المناقشةُ هذا العدد من سلسلة “حديث عن كتاب” برؤية وولاية منظمة التعاون الجنوبي من خلال تسليط الضوء على أهمية ما يلي:

  • التفكير البديل حول البدائل — نحو تشكيل طريقة ثالثة بديلة للتنمية للجنوب والإنسانية جمعاء.
  • تاريخ بديل للجنوب الكبير — إثبات صحّة مختلف طرق المعرفة من خلال البحث والتوثيق حول التاريخ المتنوع للأنطولوجيات الجنوبية التي تم تهميشها تاريخياً.
  • بناء مستقبل تحويلي — من خلال الاستفادة من معارف الشعوب الأصلية (والمحلية) الناتجة عن النضال من أجل تحقيق تدخّلات تنموية بديلة داخلية في الجنوب الكبير.

 

وفي الختام، سلّطت المناقشة الضوء على حاجة منظمة التعاون الجنوبي إلى السعي الدائم إلى التفكير البديل في الخيارات المساهِمة في تشكيل طريقة ثالثة للتنمية. وقدّمت مناقشة الكتاب هذه رؤى قيّمة حول الأطر الأيديولوجية والتقنية والمفاهيمية، ونظريات التغيير التي يمكن اعتمادها في برامج المنظمة المشتركة المستقبلية.

https://www.youtube.com/watch?v=hsRbz4Nnk5Q