قبل خمس سنوات من اليوم، اجتمعت الدول السيادية ومنظمات المجتمع المدني من مختلف أرجاء الجنوب الكبير في عاصمة جمهورية جيبوتي للمشاركة في المنتدى الثالث للتعليم المتوازن والشامل 2030، حيث تم اعتماد الإعلان العالمي للتعليم المتوازن والشامل “كمبدأ مشترك يهدف إلى تحفيز الشعوب والأمم والمؤسسات على تحقيق hgتطلعات الإنسانية الدائمة، سواء بشكل جماعي أو فردي”. جاء هذا الالتزام الجماعي بتحقيق التعليم المتوازن والشامل بحلول عام 2020 كثمرة لسنوات من المشاورات التي امتدت بين بانكوك وجنيف، ومرت عبر لاغوس وبنما، بالإضافة إلى الجهود المشتركة التي دعمت صياغة دليل عالمي للتعليم المتوازن والشامل في المنتدى الأول للتعليم المتوازن والشامل 2030 بمقر الأمم المتحدة في جنيف، وكذلك طرح الدعوة الدولية للتعليم المتوازن والشامل خلال المنتدى الثاني في مكسيكو سيتي.
كانت تلك لحظة غمرت الجميع بالسعادة، لكنها حملت معها إدراكًا عميقًا لدى من حالفهم الحظ ليشهدوا اكتمال هذه العملية الممتدة وتتويجها التاريخي. فهم على يقين أن بذور هذه الرحلة، التي زُرعت قبل سنوات ورُعيت بعناية لتتحول إلى نبتة واعدة، لم تُزهر بالكامل بعد. دون إرادة سياسية صلبة، والتزام جماعي، وجهود حثيثة، ستظل هذه الإعلانات مجرد آمال بعيدة المنال. لكن تلك البذرة التي نمت وأصبحت شجرة قادرة على أن تحمل يومًا ما ثمارًا ناضجة. الطريق الذي ينتظرنا اليوم في أعقاب الإعلان العالمي للتعليم المتوازن والشامل طويل وشاق، مليء بالعقبات التي يجب علينا تجاوزها. فقط عندها يمكن لهذه التطلعات أن تتجاوز كونها مجرد كلمات مكتوبة أو وعود معقودة، لتتحول إلى تغيير حقيقي وملموس ودائم في منظومات التعليم.
ومن أمثلة ذلك: الإعلان عن يوم 29 يناير/ كانون الثاني كيوم عالمي للتعليم المتوازن والشامل بعد عام واحد فقط، في الذكرى السنوية الأولى من الإعلان العالمي للتعليم المتوازن والشامل؛ والذي تم الاحتفاء فيه في سياق مختلف تمامًا يسوده شعور الابتهاج بدل القلق العالمي. وبحلول ذلك الوقت، أي في عام 2021، كان العالم برمته يعاني ويلات جائحة كوفيد-19 التي اجتاحت كامل بقاع الأرض في أقل من عام بقليل، والتي تسبّبت في إقصاء 1.6 مليار طفل من المدرسة، وضياع 112 مليار يوم من التعليم بشكل عام. وقدّرت التقارير في ذلك الوقت أيضا أنّ ما يقرب من 24 مليون متعلّم كانوا معرضين لخطر عدم العودة إلى المدرسة بعد الإغلاق؛ وهو ما شكّل وضعا تعليميا مزريا في غضون عام واحد فقط من التزامنا الجماعي بالتعليم المتوازن والشامل.
في هذا الإطار، ومع ما نمر به من انتصارات وتحديات، تحتفل منظمة التعاون الجنوبي، بصفتها الجهة المسؤولة عن تعزيز التعليم المتوازن والشامل، بيوم التعليم المتوازن والشامل. وبالنظر إلى الظروف الصعبة التي شهدناها عند إعلان يوم التعليم المتوازن والشامل في عام 2021، وما واجهناه من تحديات منذ بداية يناير 2020 في مجال إعادة الإعمار، فإننا مصممون اليوم على التقدم نحو الأمام بدلاً من العودة إلى واقع مخيب للآمال لا يولي أهمية للعدالة أو للبعد الإنساني في التنمية. نحن جميعًا ملتزمون بالتعاون لبناء عالم جديد أكثر عدلاً وتضامنًا، حيث يكون التعليم المتوازن والشامل هو الأساس.
لذا، فإن يوم التعليم المتوازن والشامل لا يُعتبر مجرد مناسبة للاحتفال أو تبادل التهاني الدبلوماسية أو القيام بمراسم رمزية، ولا هو فرصة للتنبؤ بالهلاك أو الاستمتاع بانتصار زائف من خلال إلقاء مواعظ حول المثل العليا بحماس مفرط وتفاؤل ساذج. بل هو مناسبة سنوية نقيّم فيها بشكل جماعي ما أنجزناه من رؤى معلنة في الإعلان العالمي للتعليم المتوازن والشامل، ونتناول أوجه الفشل وأسباب الإخفاق في الوفاء بالتزاماتنا الرامية إلى تغيير أنظمتنا التعليمية. إنها فرصة قيمة لنا جميعًا، نستفيد منها لمعالجة أوجه القصور واستخلاص الدروس المستفادة التي توجه جهودنا المستقبلية، وتحقيق المزيد من النجاحات انطلاقًا من التقدم الذي أحرزناه، وبوتيرة متزايدة.
وبمناسبة احتفالنا بيوم التعليم المتوازن والشامل لعام 2025 في منظمة التعاون الجنوبي، ندرك تمامًا أهمية كل من هاتين المسألتين.
من الواضح أن قيادة التحول تتطلب اعتماد أسلوب قيادي تحويلي يأخذ بعين الاعتبار السياق ويجعله محور العملية وأساسها. وهذا ما تقوم عليه مبادرة التعليم المتوازن والشامل، حيث يُعتبر السياق أحد الركائز الأساسية الأربعة. وعلى الرغم من النوايا الطيبة، فإنه ليس من المناسب، بل وغير الممكن، الحديث عن سياق محلي ما بالنيابة عن أهله، كما لا يمكن لمنظمة التعاون الجنوبي أن تتولى قيادة هذه العملية. باعتبارها الجهة المسؤولة عن الإعلان العالمي للتعليم المتوازن والشامل، يجب أن تكون المنظمة فضاءً ملائمًا للتعلم المتبادل ومنصة لدعم صياغة السياسات وتقديم الدعم الفني، وأحيانًا مسرّعًا للتحول، لكنها لا تستطيع قيادة هذا التحول بمفردها. وباعتبارها الوصي عن الإعلان العالمي للتعليم المتوازن والشامل، فعلى المنظمة أن تكون بمثابة فضاء سانح للتعلم المتبادل ومنصّة مساعدة على صياغة السياسات وتقديم الدعم التقني – ومسرّع للتحوّل أحيانا – غير أنها لا تستطيع قيادة ذلك. لا يمكن أن تنجح عملية قيادة التحول المتوازن والشامل للتعليم إلا بسواعد وطنية ومحلية – أي على مستوى وزارات التعليم والمجتمعات المحلية ومجالس المدارس والفصول الدراسية. ونظرًا لأن السياق يعد عنصرًا أساسيًا في هذه العملية، فإن القدرات المؤسسية والفردية تشكل أيضًا أساسًا لهذه المساعي الإنسانية النبيلة.
في عام 2024، وإدراكًا منّا لمواطن ضعف النموذج القائم على إرسال منظمة دولية لخبرائها إلى عواصم الدول الأعضاء لحضور ورش عمل لبناء القدرات لمدة يومين، قمنا في عام 2024 بتدشين معهد منظمة التعاون الجنوبي باعتباره أداة المنظمة المساعدة على بناء القدرات. وبهذا القرار، انتقلنا من ورش العمل غير المنتظمة التي تستغرق يومين إلى برامج مكثفة لبناء القدرات لمدة شهرين في مجال التعليم المتوازن والشامل. في عام 2024، من خلال هذا القرار، انتقلنا من ورش العمل غير المنتظمة إلى برامج مكثفة لبناء القدرات تمتد لشهرين في مجال التعليم المتوازن والشامل. وخلال تسعة أشهر، أكمل الخبراء من 15 دولة البرنامج التدريبي في ثلاثة أفواج، مما أتاح لهم تعزيز مهاراتهم الفردية وتزويدهم بالأدوات اللازمة لتطبيق البرنامج داخل مؤسساتهم، مما يسهم في تعزيز قدرات زملائهم وأقرانهم لتحقيق تحول بقيادة وطنية. اعتبارًا من يناير/ كانون الثاني 2025، وبعد فترة قصيرة من عودتهم إلى بلدانهم، تمكن خريجو معهد منظمة التعاون الجنوبي من تحقيق ذلك مع أكثر من 300 من أبناء وطنهم.
ولا يختلف اثنان على أهمية التكنولوجيا، وندرك تمامًا أنه من المستحيل تحقيق التجديد باستخدام أدوات قديمة. لذلك، أطلقنا النسخة التجريبية (المعروفة في المجال التقني بمنتج الحد الأدنى) من مركز مصادر إثراء التعلم في الجنوب الكبير (GreSLERN). تعتبر هذه المنصة الرقمية مفتوحة المصدر وسيلة تتيح لمراكز تطوير المناهج والممارسين الوصول إلى مصادر التعلم التفاعلية والمتوازنة والشاملة، وتطويرها بشكل تعاوني. ومنذ يناير/ كانون الثاني 2025، انضمت بالفعل 29 مؤسسة إلى هذه المنصة.
وبالتزامنا بنموذج بيداغوجيا المضطهدين لباولو فريري، ووفائنا لإقرار الإعلان العالمي للتعليم المتوازن والشامل، أطلقنا بالتعاون مع مجموعة التعاون الدولي للجامعات البرازيلية (GCUB) برنامجا سنويا للمنح الدراسية في الدراسات العليا الموجّهة لشباب دولنا الأعضاء – ذلك لأن التحوّل المتوازن والشامل للتعليم هو عملية اجتماعية بقدر ما هو عملية معرفية، ولا يمكن أن يقتصر على ما يحدث داخل الفصول الدراسية: بل يجب أن يشمل أيضًا اللقائات والتبادلات ونشاطات التواصل المثرية خارج نظام التعليم الرسمي. واعتبارًا من يناير / كانون الثاني 2025، أتيحت الفرصة لـ 300 شاب من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الجنوبي لمتابعة تعليمهم في جامعات برازيلية مرموقة.
وتشهد هذه الإنجازات، من بين إنجازات أخرى، على مدى التقدّم المحرز على الرغم من الواقع المحبط الذي أُعلن فيه اليوم العالمي للتعليم المتوازن والشامل في عام 2021 بفضل قدرتنا على التغلب على التحديات، وتجاوز العقبات، وإحراز تقدم ملموس.
لكن، ومرة أخرى، ولكي يخدم اليوم العالمي للتعليم المتوازن والشامل غرضه، يجب الاحتفاء به انطلاقا من رؤية واضحة تدرك طبيعة أوجه القصور التي تعتري كل منا، وتقوم على شعور دائم بالرضا عن إنجازاتنا. من أجل تسريع وتيرة التحوّل بشكل مجدي:
في عام 2025، سيشهد معهد منظمة التعاون الجنوبي توسعًا ملحوظًا من حيث الكم والنوع. من حيث الكم، سيكون المعهد قادرًا على استيعاب عدد أكبر من الخبراء من كل مجموعة، مما يعزز الديمقراطية في الوصول إليه عبر أساليب إلكترونية ومختلطة، بالإضافة إلى تمكين الممارسين خارج المؤسسات من الاستفادة من برامج بناء القدرات المتاحة. أما من حيث النوع، فمن المتوقع أن يستمر المعهد في تحسين وتطوير برنامجه التعليمي المتوازن والشامل استنادًا إلى ملاحظات خريجيه لعام 2024، كما سيقوم بإطلاق دورات إضافية، بما في ذلك دورات قصيرة، استجابةً للطلب والاحتياجات التي أبدتها الدول الأعضاء، وتوفير فرص التعلم المستمر عن بُعد لخريجيه.
من المتوقع أيضا أن يخضع مركز مصادر إثراء التعلّم في الجنوب الكبير (GreSLERN) لعملية تحوّل عميقة تزيد من متانته من خلال إجراء عدد من التحديثات السريعة والضرورية على المنصة لتسهيل استخدامها، وإضافة المزيد من الخاصيّات وتقديم خدمة التدريب لصالح المؤسسات المنظمة إلى المنصة. أما من حيث المحتوى، فمن المتوقع أن يرتقي المركز إلى مستوى أهدافه من خلال العمل كمستودع عملي شامل ومتنامٍ لمصادر التعلم المتوازنة والشاملة، مما يستدعي تسريع التطوير الداخلي من جهة، وتعزيز التعاون والشراكات مع مؤسسات أخرى من جهة أخرى، بهدف توفير محتوى مفيد وقابل للتكيف على المنصة.
من الواجب أيضا توسيع برنامج المنح الدراسية وتعزيزه، إذ سيتم توسيعه من خلال الإبقاء على فرص المنح الدراسية السنوية الحالية التي تصل إلى 400 منحة دراسية سنوية التي تم إطلاقها بالفعل مع مجموعة التعاون الدولي للجامعات البرازيلية (GCUB)، فضلا عن توفير منح دراسية إضافية لشباب الدول الأعضاء في مناطق أخرى في الجنوب الكبير. كما سيتم تعزيز البرنامج من خلال توفير دعم أكثر فعالية واستجابة للحاصلين على المنح الدراسية – ليستمر أكبر عدد منهم في الحصول على المنح الدراسية بمجرد قبولهم – وإدراجها ضمن مخطط أكبر للتنقل عبر قاراتنا الثلاث من خلال إطلاق إطار تعزيز التبادلات بين الشباب والمناطق من خلال التعليم (FREYRE) لمنظمة التعاون الجنوبي.
من الضروري تعزيز هذه الجهود من خلال مشاريع تعاونية أكبر بين دول الجنوب، وذلك عبر إنشاء منصة ديناميكية تشمل مختلف الأطراف والقطاعات لتبادل المعرفة والتعلم، بالإضافة إلى التعاون في مجال التعليم المتوازن والشامل بين وزارات التعليم والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني. ومن المتوقع أن تكون سنة 2025 هي السنة التي يتم فيها الانتهاء من التحضيرات لإعادة إحياء منتدى التعليم المتوازن والشامل لعام 2030، والذي نتج عنه الإعلان العالمي للتعليم المتوازن والشامل، على أن يُعقد هذا المنتدى سنويًا.
وأخيرًا، يجب علينا في هذا العام أن نركز على تعزيز جهودنا لضمان وجود إرادة سياسية متجددة ومستدامة، وتشكيل كتلة حرجة متنوعة وقوية، وتوفير تمويل أكبر للتعليم المتوازن والشامل. فبدون الإرادة السياسية، ستظل قيمنا العليا مجرد تطلعات نبيلة وغير محددة؛ وبدون كتلة حرجة، سيكون من المستحيل تحويل الإرادة السياسية إلى أفعال فعالة؛ وبدون الموارد اللازمة، لن تتمكن الإرادة السياسية المستدامة والكتلة الحرجة من تحقيق أنشطة مجدية تؤدي إلى تحوّل دائم.
في 29 يناير/كانون الثاني 2025، نجد أن كفتي الميزان متوازنتان: فقد حققنا تقدمًا ملحوظًا معًا، لكن لا يزال أمامنا الكثير من العمل. لذا، بمناسبة إحياء اليوم العالمي للتعليم المتوازن والشامل لهذا العام، يجب أن نواصل التزامنا بتسريع جهودنا لتحقيق رؤية الإعلان العالمي للتعليم المتوازن والشامل، والسعي نحو نتائج تعزز التحول الذي نطمح إليه جميعًا. هدفنا هو أن يتمكن كل متعلم من الاستفادة من تعليم تحويلي يمكّنه من إحداث تغيير حقيقي في عالمنا.